ثم ترك ذلك ولازم مطالعة كتب السادة الصوفية ، وكتاب الفتوحات لابن العربي ، رضي اللّه عنه ، وغالب كتبه ، وكتب شيخه الأستاذ الشيخ عبد الغني بن إسماعيل الدمشقي الحنفي ، المعروف كأسلافه بالنابلسي . ولزم الانفراد والعزلة . وكثرت عليه الأمراض وصار الناس يزورونه في داره ويجتمعون به هناك حتى مات .
اجتمعت به كثيرا في مجالس والدي . وبعد موت والدي كان يأتي إليّ ويزورني من الصالحية ، ويمدحني بقصائده وأبياته . ويحدّثني بوقائعه وحكاياه ، ويسمعني أشعاره ، ويتحفني بنوادره وفوائده . وكنت أودّه وأحبه . وهو ممّن أخذ الطريقة النقشبندية عن جدي العارف بهاء الدين محمد مراد البخاري المرادي ، وانتفع بفضائله ، وحفّته بركاته .
وله في الوالد والجد المدائح الحسنة ، ذكرت أكثرها في كتابي : مطمح الواجد في ذكر أحوال الوالد الماجد .
وكنت طلبت من صاحب الترجمة ديوان أشعاره ، وهو في ثلاث مجلدات ، سمّاه : « حانة العشاق وريحانة الأشواق » ، فناولنيه من يده مجلدة بعد أخرى ، حتى أتممت مطالعته . وهو عندي الآن نسخة منه كتبتها عن الأصل الذي ناولنيه المترجم ، وصححته عليه .
ولما مات أبيعت كتبه . فاشتراها أحد الطلبة ، وصار يمدح الأعيان والعلماء بقصائده ، ويدّعي معرفة الشعر ، ويسرق من الديوان وينسب ذلك إليه حتى اشتهر بدمشق . ثم بعد سنين مات هو أيضا ، فخرج بين كتبه وأبيع . واستكتبت عنه النسخة الموجودة عندي ، وظهر للناس جليّة أمره .
ويشتمل على سبعة أبواب :
الباب الأول : في نظام كلام الحقيقة .
الباب الثاني : في مدائح الرسول : صلّى اللّه عليه وسلم .
الباب الثالث : في مدح الآل والأصحاب والأولياء العارفين .
الباب الرابع : في الغراميات والغزليات والخمريات .
الباب الخامس : في مدائح الأعيان من العلماء والفضلاء وغيرهم .
الباب السادس : في الأحاجي والمعمّيات والألغاز .
الباب السابع : يشتمل على القوما ، والمردوف ، وكان وكان ، والزجل المشعر ، والملحون ، وكل غريب من هذه الفنون .
هذا ما عدا قصائد وأبيات وأهاج صدرت على سبيل الارتجال وواقعات حال لم تحرّر ولم تقيّد عما جمع . وبالجملة فقد كان أكثر أهل وقته نظما واقتدارا ، وكلّ نظمه مليح . وقد ذكرت هنا من شعره ما سمعته من لفظه وكتب لي به .
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر — صفحة 178
مساهمون: أكرم حسن العلبي
ص١٧٨