كأنّما الجود لم يخلق لغيرهم * طبعا ، فللّه منجاب وما نجبا
إن كان أبقى النوى فيهم أوصرانا ال * قربى ولم يخرموا من ودّهم سببا
واستنطق الحال من تلك الأسرّة عن * طيّ السريرة إن بشرا وإن غضبا
فإن رأيت مكان القول ذا سعة * فبثّ شوق شج للنازحين صبا
وقل تركت أمرأ أعيت مذاهبه * وصبره من توالي صدّكم ذهبا
فإن يكن ذاك تأديبا ترون له * فحسبه بعض ما لاقى بكم أدبا
أو كان فيما أتى فيمن أتى فله * أبوّة من أبيّ الضيم نعم أبا
أو لا يكن ذا ولا هذا فعدّ لكم * إربي ولن يعدم الراجي بكم أربا
هب أنّه قد تعدّى فوق ما نقلوا * وكلّ ما قد أتاه قبل ذاك هبا
ألست تعلم أنّ الصفح مغنمة * سيما الكرام وأن تربو الذنوب ربا
فأدركوا من تداعي جسمه أسفا * لم يبق غير لفافته ، وقد كربا
لا تجعلوا كأسه في الرعد أولها * وحظه جدا أتلي آية بسبا « 1 »
فليت لو أن تريّثتم بما انتحلوا * حتى تبيّنتم من جاءكم بنبأ « 2 »
لكنّ في القدر المحتوم متبعة * يجري المدار بإنفاذ الذي كتبا
هذي اللّيالي وقاك اللّه سوأتها * كم أبدعت في بنيها خطة عجبا
تباين الخلق شتى في مذاهبهم * ولم يحوموا على سرّ هناك خبا
بينا ترى المرء مغبوطا بنعمته * حتى تراه وشيكا شاحبا عطبا
إنّ البصير بها من بات ينظرها * وإن زهت لذويها معبرا خربا
واعتدّ للسير عنها والرحيل إلى * دار البقاء فكم قاص بها قربا
والدهر مكتنع للوثب مجتمع * فإن رأى فرصة من غافل وثبا
للّه يبقى على الأيام ذو حيد * فاستبق ذكرا جميلا للنجا سببا
لا زلت مقتدرا للعفو معتذرا * عمّن أتى راغبا وأفاك محتسبا
تحمي النزيل وتهمي بالجزيل وبالص * صفح الجميل تبذّ السّبّق العربا
وله غير ذلك من الشعر . وكانت وفاته في سنة سبع وأربعين ومائة وألف . رحمه اللّه تعالى ، وأموات المسلمين .
هامش
( 1 ) إشارة إلى سورة الرعد ، وسورة سبأ .
( 2 ) إشارة إلى قوله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا . . ).