وفاز من كعبة المجد بالتقبيل والاستلام . وحيّا ذلك المحيّا بعد لثم الأيدي بسلام . فلما استقرّت به زمر الناس ، وحصل كل منهم على إيناس بعد إيناس . شمت منه أعزّه اللّه بارقة إعراض ، ولمحت من جنابه عين إغماض . ووجدت أبواب الإقبال محكمة الإقفال ، وكواعب الالتفات ممنعة بحجب الجلال . ولطالما وردت من ألطافه كل عذب نمير . وتنزّهت من بشراه ونداه بين روضة وغدير . واستضحكت ببشاشته الروض الأنيق ، ورنّخت بنسائم لطفه كل غصن وريق :
كريم لا يغيّره صباح * عن الخلق الجميل ولا مساء
فأحدقت بي إذ ذاك الهواجس ، وتنازعتني الوساوس . وانبثّت مطايا أفهامي في كل فجّ عميق . وطاشت سهام أفكاري في كلّ مرمى سحيق . إلى أن ظهر السبب . بما يقضي منه العجب . فتمنّيت أني كهدهد سليمان ، لأبرز جليّة ما عندي على منصّة البيان ، أو أبوء بالنكال والخسران ، ولا أتقلّب من الكتمان على جمر الغضا ، وأردّد الأمر بين سخط ورضا .
ومما زاد ذلك ضراما ، وملأ القلب كلاما ، أنني يوم تشرّفت برؤياكم ، وتوسّمت جميل محيّاكم ، قصدت الاجتماع بجناب سيّدي المولى الأكرم ، من لا أذكّره من الحقوق إلا بعهد زمزم . لأشكو إليه بثّي وحزني ، وأبيّن له جيّة أمري وشأني . فلما آنس منّي ذلك ، سرى كما يسري الطيف الحالك . وخرج من المنزل السامي سرّا كأنه كلّف شيئا نكرا . فليت شعري أخالف كريم شيمه ، أم أخلف عهود كرمه ؟
قد كنت عدّتي التي أسطو بها * ويدي إذا اشتدّ الزمان وساعدي
فرميت منك بغير ما أمّلته * والمرء يشرق بالزلال البارد
تاللّه إنكم لأهل بيت مرفوع العمد بخفض الجناح للمؤمنين ، وبذل النصح والمعروف لأهل التقى والدين . ألطافكم وافرة ، وصلاتكم غامرة . فمن أبدى لكم عقوقا ، أو غمضكم مننا وحقوقا ، فقد ظلم نفسه ، وخسر يومه ، إذ نسي أمسه ، وتعرّض للمقت والهوان . وارتدى بجلباب الردى والخسران . وكان كالرأس إذا جحد جسده ، أو كالسارق إذا عقّ يده . ولكن زادكم اللّه تثبيتا . وصانكم عن أن تسوموا محبا تعنيتا . هل يحسن منكم بعض الظن . بعبيد رق لا يروم فداء ولا منّ . أم كيف تشهر صوارم الإعراض على من لا يطيق مع ذوي ودّه كفاحا ، أو يرمي بالقطيعة أسير حبّ لا يريد سراحا ؟ ومن أين يشتبه عليكم من سبكت أيدي امتحانكم نضاره ، وسبرت بصائر نقدكم أسراره ؟ كيف وأنتم ملجؤه الأسمى ، وكهفه المنيع الأحمى ؟ وإليكم مهيعه ومهربه ، إذا تشب به من الزمان مخلبه ؟
وحاشاكم من ضعف الثقة . بأهل المحبة والمقة . أو أن يروج عليكم زخرفة كلام . أو