تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
لأمه الإمام الكبير أبو النجاح أحمد بن علي المنيني الحنفي ، والشيخ الفاضل محمد بن حسين الحصاري الحنفي ، وغيرهم . وبرع وتفوّق . وكان له ذكاء تام وحذق زائد ، وقوة حافظة وسرعة حفظ ، ومتانة ، مع حسن الأخلاق ودماءة الطبع ونظافة الملبوس ، وحسن المطارحة والصحبة ، وجودة الخط وسرعته ، وكثرة العقل وحسن التدبير والإدراك التام . وكان الوالد يحبه كثيرا ، ويثني عليه ويجلّه . وصرّفه بأملاكه وعقاراته كيف شاء . وأذن له بتعاطي أموره وإدارة دائرته . فتعاطى ذلك وباشره طبق رضاء الوالد . وكان لا يخرج عن إرادته بأمر من الأمور . ويكلّفه الوالد إلى أشياء لا يطيق حملها أحد ، وهو يتلقّاها بالبشاشة والقبول . ومع ذلك فاشتغاله بأمور والدي الجلائل ، كان لا يشغله عن المذاكرة والمطالعة شيء ، ولا يفتر عن تعاطي مطارحات الأدب بين أصحابه وإخوانه . ولما كان الوالد يقرئ الهداية في السليمانية كان يعيد له الدروس . واشتهر فضله وأدبه ونبله ، وأعطاه اللّه القبول ، وأحبّه الناس . وذهب إلى دار السلطنة قسطنطينية مع والده وجده ، وإلى القدس والخليل . وعمر الدار التي هي بالقرب من دارنا ، جوار الحمام العقيقي « 1 » ، وصرف عليها المال الكثير ، وزيّنها بأنواع النقوش وأحجار الرخام ، وأتقن صنعها . ولما مات استوحش منها الوالد ، وباعها بأبخس ثمن . وكان يحبني ويودّني ، ويبذل جهده في مرضاتي ، رحمه اللّه تعالى . مع أنه هو الأكبر سنا وقدرا . وكان ينظم الشعر ، وينثر الأسجاع في الرسائل التي تصدر عن والدي . وشعره قليل . منه هذه الأبيات ، نقلتها من خطه :
لقد كنت أهواها ولم أدر ما الهوى * وزاد غرامي الآن والعين تدمع ومذ علمت أني شغفت بحبها * جفتني ، صديقي دلّني كيف أصنع وإن شئت أن أسلو هواها بغيرها * فلا مقلتي ترقا ولا الأذن تسمع فقل لي خليلي : هل إلى الوصل شافع * إلى مالكي ؟ أم هل إلى القرب مهيع ؟
قوله : هل إلى الوصل . . . إلى آخره ، مأخوذ من قول بعض المتقدمين :
ألا ليت شعري هل إلى الوصل شافع * إلى أشعريّ حرت في وصفه الجلي
هامش
( 1 ) هو حمام الملك الظاهر . بجوار المكتبة الظّاهرية ، وهو من أقدم الحمّامات في دمشق بني سنة 375 ه - الخطط / 532 .
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر — صفحة 167 | أكرم حسن العلبي / محمد خليل المرادي