فدخل الغلام وأراد يقبل رجله ، فمنعه من ذلك . وقال : ما حملك على هذا ؟ ألك حاجة ؟
قال : لا . وأخبره باليمين الذي حلفه . فقال له : أنا نظمت الشعر بفمي ، ولم أنظمه برجلي .
فخجل الغلام وانصرف . ونظم هذه الواقعة الأديب أبو بكر العمري الدمشقي « 1 » في ثلاثة أبيات ، وهي قوله :
قال لما وصفته ببديع * الحسن ظبي يجلّ عن وصف مثلي
مكّن العبد أن يقبّل رجلا * لك كيما يجوز فضلا بفضل
قلت : أنصف فدتك روحي فإني * بفمي قد نظمته لا برجلي
وقريب منه قول الصاحب بن عباد :
وشادن جماله * تقصر عنه صفتي
أهوى لتقبيل يدي * فقلت لا بل شفتي
وقول الوأواء الدمشقي :
يا بدر بادر إليّ بالكاس * فربّ خير أتى على ياس
ولا تقبّل يدي فإن فمي * أولى به من يدي ومن رأسي
وللمترجم :
يا مانعا لزكاة حسن صانه * وبوجنتيه من الجمال نفائس
أدّ زكاة الحسن بوسا إنّني * لبهاء طلعتك الفقير البائس
أخذه من قول الآخر :
الحسن مال له زكاة * وعندكم جزؤه الكبير
أدّوا زكاة الجمال بوسا * فها أنا البائس الفقير
ومن نثره البديع ما كتبه لبعض الموالي في غرض عرض :
سهم أصاب وراميه بذي سلم * من بالعراق لقد أبعدت مرماك
إليك نفثة مصدور ، قد خزنها اللسان . وبثة مضرور انطوى على شوك القتاد منها الجنان . قد كنت في إبدائها شفاها أقدّم رجلا وأوخر أخرى . ثم رأيت حملها على لسان القلم بي أحرى .
حذرا من مشافهة ذلك الجناب . بما لا يدري أعتذار هو أم عتاب .
ولك أنّ الداعي تشرّف منذ قريب بالمجلس العالي ، لا زالت به مشرقة الأيام والليالي .
هامش
( 1 ) أبو بكر بن منصور العمري ، شيخ الأدب بالشام ، توفي سنة 1042 ه . الخلاصة 1 / 99 .