وعطّرت أوقاتي بأنفاسه ، واقتبست نور الأماني من نبراسه ، وتفيّأت ظلّ رعايته عمرا . ولم أعص له نهيا ولا أمرا . ولي في كل لحظة دعوات أرجو لها الإجابة . وتوسلات مقرونة بالضراعة والإنابة . ألّا يعتري زهرة أيامه ذبول . ولم يبرح لابسا من العمر بردا ضافي الذيول .
فقد أحلّني مكان بنيه . ومن يحتوي عليه ويدنيه . وهاك من آثاره ما هو أشهى للعيون من الوسن . وأفتن للمشجون من الوجه الحسن . انتهى مقاله .
وكان جدي الشيخ مراد المذكور آنفا أجل أخصّائه ومريديه . أخو صاحب الترجمة الشيخ عبد الرحمن المنيني ، وكان قائما في أمور جدي بالخدمة وغيرها . حتى لما بنى المدرسة المعروفة به في سنة ثمان ومائة وألف جعله ناظرا على العمّالين والصّنّاع بها ، وجعله على أوقافها كاتبا وأمين الكتب ، وغير ذلك من الوظائف . وهي الآن على أولادهم . وكذلك جدي والد والدي ، ووالدي بعده ، لم يزل كل منهما قائما باحترام صاحب الترجمة ، كما سبق ، إلى أن مات .
وله شعر كثير حسن بديع . فمن ذلك قوله من قصيدة مدح بها المولى أسعد ، مفتي الديار العثمانية :
تذكّر والذكر يجدّ قديمها * سطور عهود قد تعفّت رسومها
فهبّ به التهيام يسترشد السّها * إلى أين أمّت بالعقائل كومها
ألا في سبيل الحبّ قلب كأنّه * - غداة نأوا - وحشية ضلّ ريمها
سروا عنقا في ليلة مدلهمّة * تخيّلت أنّ النائبات نجومها
فصرت أرى الأيام تقصّر بعدهم * خطاها كأن قد قيّدتها همومها
إلى اللّه ما بي من بقايا صبابة * فكادت إذا شبّت يبين كظيمها
فمن خلدي لم يبق إلا نسيسه * ومن مقلة لم يبق إلا سجومها
ومن شبح لم يبق إلّا دماؤه * ومن أعظم لم يبق إلا رسومها
ولما تلاقينا وللعين أعين * أشدّ من الهندي فينا سقيمها
فأيقنت أن لا حتف إلا لوامق * يخال التداني فرصة يستديمها
هنالك من باع الفضائل حلمه * لعمر العلا بالخرق فهو حليمها
وكم لي من ليل أمطت به الكرى * أراعي نجوما راع قلبي رجومها
تحجّب عني الفجر حتّى كأنّه * سريرة صبّ لم يزعها كتومها
فبتّ أراعي النجم فيه وعزمتي * تشبّ كنار قد نحاها كليمها
سأضرب وجه الأرض لا أنتحي به * من المجد إلا ما انتحته قرومها