ودرّس بها ، وأقام على الإفادة في المدرسة المذكورة والجامع الأموي مدة عمره . فدرّس بالجامع المذكور في يوم الأربعاء في البيضاوي . وفي يوم الجمعة بعد صلاتها صحيح البخاري . وبين العشاءين في بعض العلوم . وانتفع منه خلق كثير ، وتزاحمت عليه الأفاضل من الطلاب وكثر نفعه واشتهر فضله ، وعقدت عليه خناصر الأنام ، مع تواضع ما سبق لغيره في عصره . وحسن المجانسة ودماءة الأخلاق وغزارة الفضل والمطارحة اللطيفة .
ورحل إلى دار الخلافة مرّتين ، وكان أبناؤها يحترمونه . وله هناك شهرة بسبب شرحه على تاريخ العتبي المقدم ذكره . ورحل إلى الحج مرة وأعطي رتبة السّليمانية المتعارفة بين الموالي .
وصارت عليه تولية السميساطية والعمرية . وآخرا صار له قضاء قارا . وأحدث له في الجامع الأموي عشرون عثمانيّا ، وربط عليه خطابة في الجامع المذكور . وصار بينه وبين الخطيب محمد سعيد بن أحمد المحاسني المجادلة في ذلك والشقاق وشاعت في وقتها . ثم استقر الأمر عليها بعد علاج كثير .
وقد ترجم المترجم تلميذه الشيخ سعيد السمان في كتابه ، وقال في وصفه :
شيخ العلم وفتاه ، ومن بوجوده ازدان الفضل وتاه . أشرق بدرا من أفق الهدى تقتبس أنواره . وأصبح وهو لمعصم العلى دملجه وسواره . فاكتحل به إنسان الكمال . وتعلقت بذيله من أولي الفضائل الآمال . وانقلب به الدهر كلّه حسنات . محمود العواقب في الحركات والسكنات . تنهلّ أساريره بشرا . وتنفخ أردانه نشرا . بذكاء لو كان لذكاء لما غيرها الأصيل .
وأصل في باذخ المجد أصيل . وخلق يعلّم الحلم الإناءة . وشيمة تقابل بالحسنة الإساءة . فكم من مغفل فضل أعلمه ، وكم من مستفيد علم علمه . فما من عارفة إلا هو أبو عذرتها . ولا نادرة إلا هو مرهف شفرتها . فإذا خاض في مشكل تحقيق حصحص الحق . وإذا ابتدر مبحث تدقيق . جاز السبق واستحق . وإذا ارتقى المنبر . سجد له كل مصقع وما تكبر .
وأما الأدب فهو روضة ذات أفنان . الآتي من بدائعه ببدائع أفنان . فأساليبه فيه حسنة الانطباع . تسوغها الأسماع والطباع . وحسبك بمن تأهل للكمالات واعتد ، من قبل غصن شبيبته يمتد . ففاق ببيانه ولسانه . وابتهج طرف المعارف بإنسانه . وتزينه صفحات المهارق بتحريره . والتقطت فرائد الفوائد من تقريره . وأذعنت لمؤلفاته الصناديد . وأودعتها الصدور إشفاقا عليها من التبديد .
وكان دخل الروم فتطوقت منه بعقد الثريا . واقتدحت من أفكاره زندا وريّا ، فتلقته رؤساء أعيانها ، وأحلّته منها بسواد أعيانها . واقترحت عليه فأجاب . بما هو كالصبح المنجاب . وقصارى الأمر أنه الفرد الذي عليه المعوّل . والمظهر بمعاني بيانه أسرار الأطول والمطول . وهو حدقة عين أساتذتي ، الذي تخرجت عليه . وحبوت للإفادة بين يديه .
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر — صفحة 156
مساهمون: أكرم حسن العلبي
ص١٥٦