فأشرفنا على بحر الخليج . وللريح نئيج . والملاحون من أجل ذلك في أمر مريج . ونحن على اللّه متوكلون . وإلى حرم حمايته ملتجئون . فركبنا ظهر ماخرة الحيزوم . وكأنها عقاب يحوم .
وقد نشرت جناح الشراع . وكأنه في الخفقان جنان الجبان . إذا تراءت الفئتان . والبحر قد عبّ عبابه . وعلت أعلامه وهضابه . ولو شبهناه بغزارة كرم أولياء النعم السابغ على الغني والمحتاج . لما كان لنا دليل عند الاحتجاج . ما يستوي البحران . هذا عذب سائغ شرابه ، وهذا ملح أجاج . وقد تلاطمت كالعساكر أمواجه . وانتفخت من الحنق أوداجه . وتشمّخت عرانينه . وظهرت من العجب والكبر عجائبه وأفانينه . ومراجل صدره تغلي . بالحقد وتفور .
ولهواته ترمي بالزبد فيمور . وكائن متونه مهارق وأدراج . وكائن السفن مصاقل من عاج :
فلا وصل إلا أن أروح ملجّجا * على أسود من فوق أخضر مزبد
شوائل أذناب يخيّل أنّها * عقارب دبّت فوق صرح ممرّد
وللموج زفير وهدير . وللدّسر والألواح صليل وصرير . وللريح دويّ وصفير . وهي بجبال الموج من غير احتشام . كما تتلاعب الأيام بالكرام . وكأنها حين تعبث به في التمثيل .
تبحث عن سر في أحشائه دخيل . أو تطالبه بذحل وهو يطلبه منها . ونحن نطلب سكونه لا سكناه . وما كل ما يتمنى . فقل في سجن يمشي على زئبق موّاج . أول مصحوب فيه الارتعاش والانزعاج . وأقل مسلوب فيه السكون والرقاد . اللذان فيهما راحة الأجساد . وكم به من عربيد لا تحمل أخلاقه . ولا يستطاع فراقه . ولا ننس زمجرة الملاح . واستدباره لواقح الرياح . واستقباله دوافع الزبد بوجه وقاح . والخيزرانة في قبضته كقادمة جناح . وكم له من نظرة شزرا . ونعرة نكرا . وهو يحملق في خطوط أمامه ضئيلة . لتستبين بها سبيله المحيلة .
ودليله فيها من الحديد إبرة . لو أخذتها في عشقها للمغناطيس فترة . لهمنا هيام الشعراء في كل واد . ولأضللنا قصد الطريق والرشاد . هذا وأمواج متدافعة متقاذفة ترجف الراجفة . فتتبعها الرادفة . وتذهب الغاشية المضمحلّة . فتعقبها الناشئة المستقلّة .
وما كفى البحر مرارة طعمه في الأفواه . واحتياج ضيقه إلى قطرة من المياه . حتى اكفهرّ وجهه واسودّ . وتجعّد واربدّ . فكأنه مزج بدم الفرصاد . أو خلق من مرائر الحسّاد . أو ذابت فيه من أعداء الدين الأكباد . يغرّ الناظر بالسكون . ثم يكون منه ما يكون . ولا يسمع للشكوى . ولا يرثي للبلوى . والماء وإن جعل اللّه منه الحيوان . فقد أسند إليه في الجملة الطغيان . في قوله سبحانه في الفرقان :
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ
« 1 » . وما برحت عادته من تجاوز الحدّ غير عارية .
هامش
( 1 ) الآية 11 من سورة الحاقّة .