تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
وكيف براكبه إذا حلت السحب عزاليها . وسئم المسافر تواليها . وهزّت البروق سيوفها في كل طريق . فاختفت الأبصار بالبريق . وارفضت منه شعل الحريق . ومن كابد أخطاره فهو عن استحسان ركوبه بري . وإن استخرج منه الحلية الفاخرة وأكل اللحم الطري . على أنّ من مزاياه الشريفة ، حمله عساكر الموحدين . إلى غزو أعداء الدين . وخلاصة القصة ، لم تزل السفينة تعلو بنا علو الحق إلى الأفلاك . حتى كأننا نمسح وجه السماك . ونسبّح مع الأملاك . ونسفل بنا سفول الباطل إلى الدرك حتى نسبح مع السمك . ونحن نرتقص لا من طرب ونرعد . والقلوب من الرجف تقوم وتقعد . وكأننا في جوفها حبّ في حوصلة . ولا نتكلم إلا باسترجاع والحوقلة . وقد تبرقعت الوجوه بصبغ الورس . وثبت المسامع عن الجرس . وبطل الحذر والحدس . وربّ قائل : قد كان عمي أوصاني أن لا أركب البحر ولا يراني . متهكما بنفسه . بنفس يكاد يتبرّأ منه خلسة :
ولقد حفظت وصاة عمي بالضحى * إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم
وما برحنا نبدي إلى اللّه الخشوع وهو أدرى . ونتشبث بذيل الاستغاثة جرا . وهلم جرّا ، حتى التقانا تيار الأقدار على المرفأ وما فينا إلا من لكأ النوتي وما تلكّأ . ثم صافحتنا يمين السلامة ، ونفحتنا بميامن أولياء النعم كل كرامة . ثم أبدلنا الفلك بأفلاك السروج . وكأننا في السير نجوم وكأنها لنا بروج . وطارت بنا خيول البريد . وللغرانق بالهمالج عنف شديد . يعتادها من وقع صوته : أفكل عجيب . ولقلوبها إذا نعر وجيب مريب . فلا يده عندها بيضاء . ولا وجهه إليها حبيب . كم من كميت ، من خوفه كالميت . وكم من أبلق كالعقعق . قد مسّه من سوطه أولق . ثم إن وصل إلى المنزل العامر . يملك الشكيم إلى انصراف الزائر . تصبح وعيونها من كراهة طلعته حول . وتتمنّى لو تركها غرقى في بحار الوحول . أو لو تصدّق بها للاحتساب . وجعلها طعمة للذباب . وهزوة للكلاب . لكي تستريح من صبّ صوت العذاب . فكم طوينا بها والليل حالك . مهامه فسيحة الأرجاء والمسالك . في سعة الصدر الكريم أو قريب من ذلك . حتى أشرفنا على البلد المعروف ، والوطن المألوف . فخرج إلى استقبال الداعي كل كبير وصغير . ونحن لهم بصدد التوقير . إلى أن غصّت أفواه الطّرق بالناس . وأسفرت وجوه المحبين بالاستئناس .
فقلت لصاحبي : أنعم صباحا * لعمرك قد تعارفت الوجوه
وأوقد في بعض الأسواق الشموع والشمس في الرابعة . ولدعوات الأولياء النعم متتابعة . والتأمين بالارتفاع ، حتى ذوات القناع . ولا سيما عند وصول الداعي للدار . واجتماعه بمن كان له في الانتظار . من أهل وحرم . وأتباع وخدم . كان أبكاهم ألم الفراق . وتجرّعوا مرارة كأسه الدّهاق . فربّ قارة في كنها لم تخرج ، وطفل من وكنه بعد لم يدرج . وكان الإرجاف