بنا أقعدهم عن النهوض . ومنع أجفانهم من لذّة الغموض . وتخلّى عنهم كل صديق . كان يعدّ للضيق .
لا تعدّنّ للزمان صديقا * وأعدّ الزمان للأصدقاء
وبحمد اللّه تعالى سهام مطاعن الأعداء علينا طاشت . وأباطيل الحساد اضمحلّت وتلاشت .
ومودّات من قد كانوا دفنوا المعرفة عاشت . ومن غضب من غير شيء . كان من غير شيء رضاه .
فلا بلغ حاسد ما يتمناه . وبتوفيق اللّه تعالى قد بذل الداعي ما في طوق الإمكان . من إكرام كافة الإخوان . ولم يبد لأحد منهم صفحة إنكار . ولا أحوجه إلى مضض الاعتذار .
على أنني أقضي الحقوق بطاقتي * وأبلغ في رعي الذمام لهم جهدي
وما مثل الداعي ومثل من دبّت إليه منهم عقارب النميمة ، ورموه عن قوس الزور والبهتان بكل عظيمة ، إلا كما قيل :
كلّ يوم يقول لي : لك ذنب * يتجنّى لا يرى ذاك منّي
فأنا الدهر في اعتذار إليه * وإذا ما رضي فليس يهني
ربّما جئته لأسلفه العذ * ر لبعض الذنوب قبل التجنّي
على أن الأكثر فيما تقوّلوه وأزهقه اللّه فبطل ، كما قيل في المثل : مكره أخاك لا بطل :
وربّ إشارة عدّت كلاما * ولفظ لا يعدّ من الكلام
ونثار المترجم جزيل ، وأشعاره كثيرة . وكانت وفاته في ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف . ودفن بتربة الباب الصغير . رحمه اللّه تعالى .
وبنو كيوان بدمشق طائفة خرج منها أمراء وأعيان أجناد . ونسبتهم إلى كيوان بن عبد اللّه ، أحد كبراء أجناد الشام . كان في الأصل مملوكا لرضوان باشا نائب غزة . ثم صار من الجند الشامي . وصدر منه بغي ، وتطاول في الظلم جدا . وكان قتله في صبيحة يوم الخميس الثالث والعشرين من محرم ، سنة ثلاث وثلاثين وألف ، ودفن عند باب دمشق ، من أبواب بعلبك « 1 » .
وأرّخ وفاته شيخ الأدب بدمشق الأديب أبو بكر العمري بقوله :
ولما طغى كيوان في الشام واعتدى * وأرجف أهليها وللظلم فضّلا
هامش
( 1 ) قتله فخر الدين المعني ، وقد نقل جثمانه فيما بعد إلى مسجده في المدخل الغربي لتربة الدحداح ، ولا يزال إلى اليوم . ومنطقة كيوان بجوار الربوة تنسب إليه لوضعه يده عليها ، ومعنى كيوان في الأصل : زحل . وانظر ترجمته في خلاصة الأثر 3 / 299 .