استدبر ، فلم يجد ما قدر وما دبّر .
على المرء أن يسعى لما فيه نفعه * وليس عليه أن يساعده الدهر
وعلى أي حال فله في النظم والنثر القدح المعلّى . وفي الأساليب البديعة الطراز المحلّى .
وناهيك بابن الحسين أحمد « 1 » ، الذي جمرة ذكائه متوقدة لا تخمد .
وقد أثبتّ له ما تستأخر البلغاء عن إلحاقه . ويفيده اللبيب بعيونه وأحداقه . ثم قال : فمن ذلك ما ندب به زمانه بقوله :
قفوا بالناجيات على زرود * نناج دوارس الدّمن الهمود
نحيّ حمى زرود بالقوافي * ونبك عليه بالدمع البديد
عفا أطلالها وكف الغوادي * بعرصتها ودمدمة الرعود
تعرّت من بشاشتها وأضحى * يسرّ محولها قلب الحسود
وأخلق ثوب جدّتها وكانت * مفوّفة الدرانك والبرود
وقد كانت تهشّ لزائريها * منازلها وتضحك للوفود
سقى أيامنا بزورد غيث * يجود مدى الزمان على زرود
ليالي باللّقا بيض أعيضت * بأيام من التفريق سود
ولي كبد بذاك الجوّ حرّى * تلوب بها من الظمأ الشديد
وقلب لا يعنّف بالتسلّي * ودمع لا يعيّر بالخمود
وركب أدلجوا والليل مرس * بكلكلة على قبّ وقود
أبادوا العيس لما كلّفوها * دءوبا ، قطع بيد بعد بيد
وما زال الهوى والشوق يرمي * براكبه إلى أمد بعيد
إذا أنّوا من الأشواق أنّت * من الجهد المبرّح والوخيد « 2 »
ترامى كالسهام بهم وترمى * بخوص عيونهنّ إلى الورود
فقد ألفوا بها قطع الفيافي * وقد مرنت على حزّ القتود
تشفّ جسومهم عن جمر وجد * ويبدو عظمهنّ من الجلود
إلى أن ثار جيش الصبح يسطو * على الظلماء خفاق البنود
هامش
( 1 ) المتنبي .
( 2 ) الوخيد : السريع .