تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
اليرلية بدمشق ، والمشار إليه بهم . ووالده كان أمير الأمراء . تولى حكومة القدس وعجلون وغيرها . وهذا المترجم كان فيما أعلم وأتحقّقه درّة في جيد دهره ، وغرة في جبهة عصره . ولما وفد إلى دمشق المولى السامي عثمان الشهير بالخالصة صاحب الوقف بدمشق ، وكتخدا الوزير الأعظم ، أراد الاجتماع برجل من الأدباء ، فجيء له بصاحب الترجمة ، فرآه مستوفي الشروط من جميع أدوات الظرف وطبق مشربه . فلما ذهب إلى الروم اصطحبه معه ، وحصل له منه غاية الأماني والإكرام ، وصرف كليته إليه ، وأقبل بالتعظيم عليه . والذي حصل له من الإكرام لم يحصل إلى أحد . وكان المولى المذكور يمنّيه بما يروم . وسوداؤه تخيّل له أشياء أخر . وذهب معه إلى السفر ، فلما قتل عاد إلى قسطنطينية ، ومنها عاد إلى الشام . وكان رحمه اللّه مع أدبه سوداؤه تنفره عن الناس ومعاشرتهم ، وتخيّل له أشياء غريبة . فبسببها كان يندب زمانه . ولما ولي حكومة دمشق الشام الوزير الشهير عبد اللّه باشا المعروف بالشتجي ، وكان كاتبا فاضلا ، له اطلاع في العلوم ومعرفة ، حتى إنه ألف كتابا سماه : « أنهار الجنان في آي القرآن » ، رتّبه على طريقة ترتيب ذيبا في الآيات القرآنية ، وزاد أشياء أخر . وكان وزيرا شجاعا مقداما سخيا لم تكتحل عين الأوقات والزمان برؤيا « 1 » مثله . ولما وفد إلى دمشق كانت إذ ذاك مشحونة بالفتن ، وخروج الأشقياء بها . فمهّد ما كان وأزال الأشقياء ضربا بالسيوف ومحاهم . وجاء بعسكر غزير إلى دمشق مختلف الأجناس . ثم إنه بعد ذلك أصلحت دمشق وطابت ، فسارت إليه الأدباء وأهلها ، وقابلهم بمزيد الإكرام مع التوقير والاحترام ومدح بالقصائد الغرر . وكان ممّن مدحه صاحب الترجمة . ولما اجتمع به قابله بالإعزاز ومنحه بالإكرام الوافر . وصارت له عنده الرتبة العظمى ، والمقام الأكبر . وكان الأديب الشيخ سعيد بن السمان يسمّي ديوان المترجم ب « الملطمة » لأن غالبه بل كلّه ندب وتأوّه . وأنا أقول : إن ابن السمان تسميته لديوانه بالملطمة حسد منه ، لأنه في محل المشكلات لا يصح أن يصير تلميذا له . لأنّ المترجم نوع ، وابن السمان نوع آخر . وصحيح القول : إنه في هذا القرن كالأمير منجك المنجكي في القرن الماضي ، بل أرجح منه ، فهو مقارن له . وعلى كل حال فهو فرد الدهر أدبا وفضلا ونظما ونثرا .
هامش
( 1 ) الصحيح : برؤية . والرؤيا : الحلم .