وترجمه ابن السمان المذكور آنفا في كتابه الذي ترجم به شعراء دمشق ، وقال في وصفه :
بقية القوم الذين مضوا ، وسنّوا الندى وفرضوا ، ودان لهم المجد فرضوا . احتفل به الكمال احتفال الصاحب بابن هلال . وأحاط بأطرافه إحاطة الهالة بالهلال ، فتقاسمه عضوا عضوا ، وأودعه من الإناءة ما يطيش دونه رضوى . فانتدب لإقامة برهانه ، وإحراز السبق في حومة رهانه . فرأى عبابا فخاض ، واعتاص بالجواهر عن الأعراض منتقيا منها الجياد ، ومختارا ما يهزأ بقلائد الأجياد . برقّة تحسدها الألطاف ، وفكاهة جنيّة القطاف .
ومحاضرات بها لراغب واله ، وحديث بالرقة لم ينسج على منواله . وطبع يسابق حاتم بالكرم ، وغيره ينفح في غير ضرم . وقلم بنوادر المعاني ندي ، ومداد غبري الفوحة ندي .
وخط نزهة العاشق ، والروضة الغناء للمستعبر الناشق . أشهى من العارض المزرّد ، إذا استدار بالخد المورّد .
وأما شعره فإنه التّبر المذاب ، والرشفات من الثنايا العذاب . استخلصه من حكم ، هي من جوامع الكلم . واستودعه ما هو من قول لو وليت سلم . فإذا وصف الرياض أغنى عن إملاء ذات الأطواق . وإذا ترسّل في الغرام علّم ابن الدّمينة « 1 » الأشواق . أو ندب الأطلال ، أنسى « قفا نبك » أو انتقل إلى التشبيب في الآرام فما أبو عبادة في حسن السبك . إلا أنه من الأنفة في مناط الثريا ، قادحا بها من الأوهام زندا وريا . تخيّل له سوداؤه آراء شاسعة ، يسلك منها سبلا واسعة . فلا يرضى من الأيام إلا بالاستخدام . وهي تصول على أمانيه صولة إقدام . فيعتبها بقصيده ، ويوسّعها من تأنيبه وتفنيده .
من كل معنى تكاد تشربه * في كل مغنى مسامع الأدب
على أن غالب شعره في ذلك مشحون . لا يشوبه على كثرته غش ولا ملحون . وهو ممن جاب البلاد وسبر أغوارها والأنجاد .
وكنت وإياه بمصر والشباب به كلف . تختلف لمبادرة الأدب ولا نختلف . وقد أنسيت به الطارف والتليد . واستعوضت بصحبته عن الحميم والوليد . وحين عصفت بي إلى الروم رياح القدر . رأيت هلاله في أفق سمائها بدر . وهو في كنف بعض رؤسائها والحظوة تلحظه . وشيم المعاني مطمحه وملحظه . ترنو إليه الدنيا وهو يرمقها شزرا . حتى عادت إلى طبعها فأوسعته ملامة وزجرا . فرجع منها بخفي حنين ، خاوي الراحة صفر اليدين . فكأنما إرثه أضغاثا ، وخيّلت له الأجادل بغاثا . وأراد أن يستقبل من أمره ما
هامش
( 1 ) عبد اللّه بن عبيد ، توفي سنة 130 ه ، وهو من شعراء العصر الأموي ، الأعلام .