وإن أنا أرجأت الأمور إلى غد * طعنت بغرب العجز في ثغرة الحزم
وإنّ أحقّ النّاس باللّوم لامرؤ * يضلّ طريق الرّشد وهو على علم
كتمت اشتياقي ، والنّحول ينمّ بي * كأنّي أحلت الكتم منّي على جسمي
وقلت لجفني إن دعيت لعبرة * فساعد بها ، مطل الغنيّ من الظّلم « 1 »
ولم لا ؟ وقد حلّ الرّكاب بيثرب * وبؤت بشحط الدّار منها على رغم
تذامر أقوام إليها وضمّروا * مخيّسة تهوي بأجنحة العزم « 2 »
وقام خضمّ الماء دون مرامهم * فلم يحفلوا منه بهول ولا لطم
إذا النّفس أبدت فيه ظنّا بحسمه * تقول لها الأشواق : ألقه في اليمّ
فما كان إلّا أن أتوا معهد الهدى * وشيكا كما أغفيت في سنة الحلم
وفازوا بما حازوا كراما فإنّما * زيارة خير الخلق من أعظم الغنم
كأنّي بقومي حين حلّوا حلالها * وأعينهم ، إذ ذاك ، أجفانها تهمي
يكبّون للأذقان في عرصاتها * سلاما وتقبيلا على ذلك الرّسم
فيعفى عن الأوزار في ذلك الحمى * وتغتفر الآثام في ذلك اللّثم
فللّه درّ القوم فيها وقد غدوا * ضيوفا بمثوى سيّد العرب والعجم
أقام لهم حيّا أمانا من الرّدى * وقام مقام الغيث في شدّة الأزم
وحلّوا به ميتا فكان قراهم * خفارة ذي روع وتأمين ذي جرم
رسول أتى حكم الكتاب بمدحه * وأثنى عليه الله بالصّدق والحلم
أحبّ من المحيا وأجدى من الحيا * وأهدى لمن ضلّ السبيل من النّجم
قريع صميم المجد في آل هاشم * أولي النّسمات الغرّ والآنف الشّمّ « 3 »
هامش
( 1 ) إشارة إلى قوله صلّى الله عليه وسلم " مطل الغنيّ ظلم " انظر سنن ابن ماجة 2 / 803
( 2 ) تذامر القوم : تحاضّوا أو حثّ بعضهم بعضا . خيّس الدابة فهي مخيّسة أي راضها وذلّلها بالرّكوب . ( اللسان : خيس ، ذمر ) ألقه في اليمّ : من قوله تعالى" فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ، وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي "سورة القصص 28 / 7 .
( 3 ) الآنف جمع أنف وهو المنخر . ( اللسان : انف ) .