وظهرت شخصيتهم في ذلك الوقت ، وبرز الصّراع بينهم وبين سكّان البلاد لشعورهم بأنهم أعلم من غيرهم وأقدر . وانتهت حياة كثير منهم بماسي وفواجع لمحاولة تدخّلهم في شؤون الدّولة « 32 » .
أمّا بالنّسبة للهجرة الثّانية الّتي وقعت في العهد التّركي ، فقد حرص معظم المهاجرين على الابتعاد عن السّياسة ، وانصرفوا إلى العلم أو غيره من المشاغل التي لا تثير شبهات السّلطان .
وتبرز منهم كثير من العلماء : أمثال محمد الحجيج ، وسليمان الكفيف ، والمتصوّف منصور النّشار ، والنّحوى أبو ربيع سليمان « 33 » ، والشّيخان محمد وابنه عبد القادر ابن عاشور .
وإلى جانب هذه هناك تيارات أخرى : منها التيّار المشرقي الّذي استجلبه العلماء التّونسيون عند سفرهم للمشرق من أجل الحجّ أو طلب العلم .
وأغلب العلماء الكبار لم يكتفوا بما تلقوه عن مشايخهم بتونس ، فسافروا للأخذ ، والمساجلة ، وطلب الإجازة من أشهر علماء مصر في ذلك الوقت وأشهرهم : الشّيخ عبد الباقي الزّرقاني ، شارح خليل ، وابنه محمد ، ومنصور المنوفي ، وأبو العبّاس أحمد بن الفقيه ، وعبد الرّءوف البشبيشي ، وأبو الحسن علي الطولوني ، والشيخ النّشرتي ، وأبو العباس أحمد الشّرفى ، وأحمد النّفزاوى ، وشيخ الأزهر إبراهيم الفيّومي « 34 » .
وأشهر الكتب التي كانت تأخذ على هؤلاء المشايخ : مختصر خليل ، وكتاب البخاري ، وألفية بن مالك ، وكتب في الفرائض .
وكان هناك تيار مغربي تصوّفي ، وأغلب المتصوّفة الّذين استقروا بتونس وحملوا حملها حسب عبارتهم ، أصلهم من المغرب ، تجوّلوا في كثير من الأصقاع ، وأخيرا استقرّ بهم المقام بتونس « 35 » .
هامش
( 32 ) نفس المصدر ، 6 ، 655
( 33 ) السراج . مخط ، 23 - ب .
( 34 ) راجع سعادة . مخط ، 211 - 219 .
( 35 ) انظر أسفله ، 277 ، 281 ، 287 .