مكّة المشرّفة ، واجتمعت به هناك ، وبعد تمام مناسك الحجّ اجتمعت به أيضا ، فقال لي : علي ما ذا صمّمت ، على الرّحلة ، أو المجاورة فقلت له : يا سيدي ، واللّه المجاورة لم تخطر لي ببال ، لأنّي قليل البضاعة والزّاد ، ومرادي في تحصيل شيء من العلم بالجامع الأزهر ، فقال لي : « إنّما الأعمال بالنّيات ، والذي يتيسر لك هنا لم تحصه في سنين بالأزهر فاستخرت اللّه » ، فقلت : أنا قليل البضاعة على المجاورة ، فقال لي : « اسمع مني ، وجاور ، وأنت مأمون من جميع ما تحتاجه إن شاء اللّه » وكان من الحاضرين أخونا في اللّه الحاج محمد حكم « 22 » فقال لي : واللّه لو أذن لي الشّيخ وقال : لي ما قاله لك لكنت امتثلت لكلامه قال : فبتّ ليلتي مكروبا أفكّر فيما أفعله ، وما يؤول له أمري من قلّة المصروف ، وما معي إلّا شيء قليل ، قال : ونمت فرأيت ابني أحمد ، وقد كنت خلفته صغيرا وهو يقول لي : يا أبتي اقرأ ، فقلت له :
وما اقرأ فقال : اقرأ
« يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ » .
« 23 » وكرر « فطهر » ثلاثا ، فلمّا انتبهت كانت نفسي مائلة إلى السّفر ، فطابت ، ومالت إلى المجاورة ، قال :
فجاورت تلك السنّة ولازمت الشيخ فكان غالب أوقاته معتكفا على دلائل الخيرات ، ثمّ يأخذ السّبحة في يده ، قال : وحصلت لي بركة من الشّيخ ، وجانب من العلم / « 24 » ، قال « 25 » : وكنت متأدّبا معه « 26 » فلا أكلّمه حتّى يكلمني ، فقال لي يوما ، ونحن بالحرم الشّريف تجاه الكعبة : إنّ فلانا باليمن بصير ، وهو من المعمرين ، وذكر مدّة عمره ، فاستغربت ذلك . قال : وأزيدك أخرى ، إنّ الشّيخ موسى الجبرتي ، عاش ستمائة سنة ، ومات اثنتي عشرة مرّة ، ثمّ يحييه اللّه تعالى ، قال : فوقع في نفسي شيء من ذلك ، وأطرقت رأسي ، ولم أتكلّم شيئا قال : فمكث الشّيخ بعدها قليلا ، ثمّ قام لمسكنه ، وقمت أنا بعده وقصدت ناحية مقام الحنبلي ، فلما كنت وراءه مسامتا للحجر الأسود ، وقليل من النّاس في تلك النّاحيّة ، فإذا أنا بشخص أسمر اللّون ، طويل
هامش
( 22 ) في « ب » « حكيم » .
( 23 ) قرآن المدثر : 1 ، 2 ، 3 ، 4 .
( 24 ) ثلاث كلمات ساقطة من « أ » .
( 25 ) كلمة ساقطة من « ج » وعوضت بكلمة « ولازمته » .
( 26 ) في « ج » « وكنت معه متأدبا » .