بعد خروج محمد باي من تونس سنة خمس ومائة وألف [ 1105 / 93 - 1694 ] واستقل بالحكم فيها طاطار محمد داي كان ظالما غشوما ، ثمّ بعد مدّة أغاث اللّه عباده برجوع محمد باي إلى البلاد وأزال اللّه شوكة أهل الظّلم والجور ، فحمدنا اللّه تعالى ، وأردت المسير إلى أهلي ، فجلست أمام الشّيخ ، وقبلت يده ، وطلبت منه الإذن في المسير ، فزوّدني بدعائه الصّالح ، ثمّ أخذ بيدي ، وقال لي سرا : إنّ هذا الرّجل يريد به محمد باي يأخذك لخدمته فقال : يا سيّدي واللّه العظيم مالي إرادة في خدمة الأمراء والحكام ، وبعد كلام يطول قلت له : إمّا خلّصني ، وإلا أقيم عندك بالزّاويّة فأجابني : واللّه يا بنيّ يا حسين ، لو على ودّي أن تكون مثل شجرة في غابة ، ولكن لا بد من ذلك سر وأنت مأمون بحول اللّه ، وأوصاني بوصايا حسنة ، وسرت من عنده .
ولما لاقيت الأمير محمد باي - رحمه اللّه - وسألني سؤالات ، وأمرني بكتب مكتوب بلسان التّركيّة ، وألقى بين يدي دواة وقرطاسا ، وكتبت ما أملاه عليّ ، ورحت في سبيلي وقلت نفسي ، لعلّ أن تكون هذه الّتي أشار بها الشّيخ . ثمّ أرسل إلىّ مرّة أخرى ، وأمرني بكتابة مكاتيب « 108 » بلسان التّركيّة أيضا ، ورجعت إلى مكاني ، ثم استدعاني مرّة أخرى ، وأمرني بالجلوس في ديوانه ، وكان / المجلس غاصّا بالخلق ، وناداني ، وقال لي « يا فلان ، إني اخترتك « 109 » لكتابتي « 110 » وملازمتي « 111 » للخدمة ، ولا تفارقني بعد هذا أبدا » وقبّلت يده ، وقلت له : السّمع والطّاعة . فها أنا مقيم في تلك الخدمة من لدنه إلى يومنا هذا ، فرحم اللّه من سلف منهم ، وأدام اللّه بقاء من نحن في خدمته الآن ، وأدام وجوده لنا وللمسلمين أجمعين آمين « 112 » . وهذه أعدّها من أعظم الكرامات والمكاشفات من شيخنا وقدوتنا الشّيخ سيدي علي عزّوز - نفعنا اللّه ببركاته - ، وأفاض علينا من سحائب « 113 » خيراته ومناقبه - نفعنا اللّه به - لا تعد ولا تحصى ولا تحد ولا تستقصى « 114 » .
هامش
( 108 ) في أ « كتاب » .
( 109 ) بدء حياة المؤلف في كتابة ديوان الانشاء .
( 110 ) من قوله « وكان » إلى قوله « لكتابتى » فقرة ساقطة من « ج » .
( 111 ) تزيد « ج » « وأمرني » .
( 112 ) كلمتان سقطتا من « ج » .
( 113 ) خمس كلمات ساقطة من « ج » .
( 114 ) من قوله خيراته إلى قوله « لا تستقصى » فقرة ساقطة من « ج » .