وأصبح الدهر من نتائج فكرته الذكيّة لأنباته قابسا ، ولو ومضت برقة من أشعة علومه باليمن أضاءت قابسا ، وأيقنا أنه المجد إذ ذقنا من حديثه العتيق ، وتنزهنا من علومه بين رياض وردية ليس لها سواه شقيق ، كم ردت فكرته عن ابن معين والواقدي فأروت الصادي ، وكم قرّ بعينها من لامه على كثرة دورانه حتى العيس والحادي ، إلى أدب يتكدّر بحسنه عيش الصفي ، ويتمنى حبيب الطائي لو قيل سماعه طوي ، وشعر كأنه عذبات البان ، ومن لها أن يتحلى بعذباته التيجان ، ودّته على أطواقها الورقا ، وحسدته الرياض إذ حلاها إلى زهر الزرقا ، فسجع المطوق بنسيبه ، وثمرات الأوراق ما يجتنيه السامع من حلاوته وطيبه ، وعلم لو رآه ابن باديس لاعترف لابن محمد ، ولو أدركه النعمان لساح وترك الخورنق وتزهّد ، ولقال : مالك أنا عبد هذا النبوي المحتد ، ولودّ لو رآه أنه مات في المحنة أحمد ، جمع علمي العقل والنقل وأجلى بطريق العود والعقل فأصبح وهو المجتهد المطلق ، وكم رام شأوه أسيرا لبلاده فقصّر ، وأما هو مخلق ، فالمعالي إليه بعد هذا الكمال أشوق ، من يعقوب إلى يوسف ، ومن ادّعى بقيافته أنه يساويه فقل أحاديث القيافة زخرف ، وألّف المجاز إلى حقيقة الإيجاز في علم البيان ، كتاب يترك ابن أبي الأصبع بغير بنان ، فاتباعه عليه يجتمعون ، وكالفراش على نار سنائه يقعون ، وأمّا أخلاقه فتترك برد النسيم أخلاقا ، فهي أرقّ من عتاب جحظة والزمان ، وألطف من شمائل مخضوب البنان ، فمن شعره :
أتراه يكتم ما تجن ضلوعه * ويصح عن دين الغرام رجوعه
صب ينم بما يكتم دمعه * ويبث منه شجونه ويذيعه
يجري العقيق من الدموع إذا سرى * برق عليه فيستبين ولوعه
لم يثنه قول العذول وقلّ من * في الحب إن عذل المحب يطيعه
يهدي له نشر الصبا في طيه * عرفا تعطر من ذكاه ربوعه
فيزيده وجدا إلى وجد كمن * يشجيه نوح مطوق وسجوعه
وبمهجتي من وجهت ألحاظه * جيشا عليّ فلم تفل جموعه
بدر يحف بليل شعر فاحم * والبدر في الليل البهيم طلوعه
أحوى لعاشقه الصبابة كلها * وله من الحسن البديع جميعه
إن فوقت أسهام لحظيه إلى * صب فليس سوى الفؤاد صريعه
ولربما لم تغن رب شجاعة * من فتك ناظره الضعيف دروعه