القدور الإبراهمية ، وهو كان أبدع صنعها على عادته في الإبداع ، وقدرته على الاختراع ، فكتب له صفتها وكتب له في ذكر الأباريز وزن دانق ونسي أي شيء هو ، فلما وصلت إليه الصفة اغتاظ ثم قال لعلي بن يحيى صاحب المصلى : أحلف بحياتي أن تقول له ما آمرك به ، ففعل فقال : ارجع إليه وقل له : وزن دانق من أي شيء ؟ أمن بظر أمك « 1 » ، قال علي : فدخلت إليه ، فقلت : أتيتك في رسالة عزيز عليّ أن أؤديها ، قال : هاتها ، فأدّيتها ، فقال : ارجع إليه فقل له : يا سيدي إن علي ابن يحيى صديقي وأخي ، فإن رأيت أن تجعل الدانق من بظر أمي وأمه تفضلت بذلك ، فقلت : قبّحك اللّه وأنا أيش ذنبي ، قال : أديت الرسالة وهذا جوابها ، فوصلت إلى المتوكل ، فلما رآني قال : إيه ما جئت به ؟ قلت : قبّح اللّه ما جئت به ، وأخبرته بالجواب فضحك حتى فحص برجليه وجعل يشرب عليه بقيّة يومه ، فإذا لقيته قال : يا علي وزن دانق من أي شيء ، فأقول : لعنة اللّه على إبراهيم « 2 » .
وقال أبو الفرج : أخبر من رأى إبراهيم وقد لبس سواده يقول لغلامه هات ذاك السيف الذي ما ضرّ اللّه به أحدا غيري « 3 » . وهذا دليل لطفه ودماثة أخلاقه .
* * * والعرس الذي هنّأ به إبراهيم ذا الرئاستين الحسن بن سهل لما زوّج ابنته خديجة الملقبة بوران بالمأمون وبنى بها المأمون في شهر رمضان بفم الصلح « 4 » ، وهو عرس لم يعمل مثله ملك في الإسلام ، صار تأريخا ، وأوقد لما جلبت عليه من جملة الشموع شمعة عنبر وزنها أربعون منّا بالبغدادي في تور ذهب ، فامتلأ المجلس بدخانها حتى ضجّ الخليفة وقال : هذا سرف ، وكان الفراش من ذهب منسوج له بريق من الشموع فكأنه برق تلألأ ، ونثرت جدّتها أم الحسن عليها مائة حبّة درّ من الكبار النفيسة ، وكان ممن حضر بنات الخلفاء كعليّة بنت المهدي « 5 » ،
هامش
( 1 ) أمن بظر أمك : سبّ كان يجري على ألسنة العرب في القديم .
( 2 ) الأغاني 10 / 65 - 66 .
( 3 ) ن . م . 10 / 67 .
( 4 ) فم الصلح : هو نهر كبير فوق واسط بينها وبين جبّل عليه عدة قرى ، وفيه كانت دار الحسن بن سهل وزير المأمون ، وفيه بنى المأمون ببوران ، وقد نسب إليه جماعة من الرواة والمحدثين وغيره ، وهو الآن خراب إلّا قليلا . « معجم البلدان 4 / 276 » .
( 5 ) علية بنت المهدي بن المنصور ، من بني العباس : أخت هارون الرشيد . أديبة شاعرة ، تحسن -