المعتصم « 1 » ، الشاعر المشهور ، والذي عندي أنه أشعر الناس في التشبيهات الدقيقة التي لا يهتدي لها سواه ، وشعره شعر المترفين وأبناء النعم .
قال أبو بكر الصولي في كتاب الورقة : كان أسمر اللون يخضب بالحناء ، مسنون الوجه وكان شاعرا مغلقا ، واسع الفكرة في النظم والنثر ، من شعراء بني هاشم وعلمائهم ، وكان إمام المعالم في الأدب ومعرفة كلام العرب ، وكان أبو العباس المبرد يجلّه ويسعى إليه ويستفيد منه ، إلّا أنه كانت له هنات في حبّ بني هاشم وتقديمهم والغلو فيهم ، وله في ذلك قصائد ، ثم رجع عن ذلك وقال ما يناقضه ، وكان تغلب يقدمه ويقول : هو أشعر أهل عصره .
قلت : لما وقفت على كلام الصولي في مناقضة مذهبه تعجبت من وقوع ذلك من مثله في النباهة ، ولما رأيت ديوان شعره وجدت ذلك كما ذكر الصولي ، فربّ قصيدة له غرّاء يمدح بها عليا عليه السّلام حتى يقول السامع هذا من غلاة الشيعة ، ورب أخرى توهّم السامع أنه من النواصب ولولا ذلك لأوردت من سحر شعره ما هو منية المتمنّي . وما ألطف قوله ، فإن ترك شعره ليس يرضي الأدب [ من المديد ] :
عرف الدار فحيّاها وناحا * بعد ما كان صحا واستراحا
من رأى برقا يضيء التياحا * ثقب الليل سناه فلاحا
فكأنّ البرق مصحف قار * فانطباقا مرّة وانفتاحا « 2 »
هذا تشبيه مطرب ، ومن فصوله القصار فيما يتعلّق بالحكمة : أهل الدنيا كصحيفة كلما نشر منها ورقة طويت أخرى .
ومن شعره البديع :
ومهمه كرداء الوشي مشتبه * قطعته والدّجى والفجر خيطان
هامش
( 1 ) ترجمته في :
وفيات الأعيان 3 / 76 - 80 ، تاريخ بغداد 10 / 95 الأغاني 10 / 323 - 335 ، المنتظم 6 / 84 ، كتاب الأوراق / أشعار أولاد الخلفاء 107 - 296 ، العبر للذهبي 2 / 104 ، شذرات الذهب 2 / 221 ، معاهد التنصيص 2 / 38 ، فوات الوفيات 1 / 505 .
( 2 ) كاملة في شعر ابن المعتز 1 / 417 - 422 ، معاهد التنصيص 248 ، ريحانة الألبا 2 / 478 ، أنوار الربيع 5 / 212 ، أشعار أولاد الخلفاء 123 - 125 .