سواء ، فأمسك عنه وأمر بردّه وحمله إلى منزله ، فلما رجع أطعمه ووهب له دراهم وقال له : ما أردت أن يرد اللّه على ما ذهب من بصري أو غير ذلك ؟
فقال جعيفران : واللّه لئن كنت وهبت لي الدراهم لأسخر منك إنك لأنت المجنون لا أنا ، إخبرني كم أعور صار أعمى ؟ قال القاضي : كثير ، قال : فهل رأيت أعور صحّ قطّ ؟ . قال : لا ، قال : فكيف توّهمت عليّ الغلط ، فضحك منه وصرفه « 1 » .
قلت : أحسب أن الشاعر أخذ منه .
ومن قول الشاعر الحسن بن سهل المشار إليه في أول الكتاب :
خاط لي عمرو قباء * ليت عينيه سواء
وهذا نوع من البديع يسمى إيهام المدح بالذم ، ومما يعجبني منه قول الحماسي « 2 » :
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي * بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا « 3 »
إذا لقام بنصري معشر خشن * عند الحفيظة إن ذو لوثة لأنا « 4 »
لا يسألون أخاهم حين يندبهم * في النائبات على ما قال برهانا
لكنّ قومي وإنّ كانوا ذوي حسب * ليسوا من الشرّ في شيء وإن هانا
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة * ومن إساءة أهل السوء إحسانا
كأنّ ربّك لم يخلق لخشيته * سواهم في جميع الناس إنسانا
فليت لي بهم قوما إذا ركبوا * شنّوا الإغارة فرسانا وركبانا
قوم إذا الشرّ أبدى ناجذيه لهم * طاروا إليه زرافات ووحدانا « 5 »
الزرافات : الجماعات ، وظاهر يجزون وما بعده المدح وباطنه الذم بالذلّة ،
هامش
( 1 ) الأغاني 20 / 207 .
( 2 ) الأبيات لرجل من بلعنبر يقال له قريط بن أنيف .
( 3 ) تستبح : من الاستباحة ، وهي استحلال الشيء ظلما . اللقيطة : هي أم حصن بن حذيفة ، من بني فزارة .
( 4 ) الحفيظة : الغضب . واللوثة : الضعف مع اللين .
( 5 ) ابداء الشر ناجذبة : مثل يضرب لشدته وصعوبته ، ديوان الحماسة لأبي تمام 29 - 30 .