العباس دخل يوما وبيده حق فضة والرقي عنده ، ففض الحق عن غالية « 1 » فقال :
يا أمير المؤمنين هذه غالية انتخبتها لك وصنعتها بيدي اختير مسكها من الثبت وعنبرها من الشحر « 2 » ، وعودها من ثمار الهند ، فالمحاسن فيها مجموعة ، والوصف يقصر عن حسنها .
فاعترضه ربيعة وقال : ما رأيت أحمق منك في وصفك لهذه الغالية عند من تهدى له نفائس الدنيا ، ويتقرّب الملوك بخدمته بكل مضنون ، وما قدر غاليتك هذه ، ثم التفت إلى الرشيد فقال : بحياتك أن تجعل هذه الغالية حظّي من عطائك إلى سنة ، فأمر له بها وهو يضحك ففضّ ختمها وأخذ ملاء يده فدهن بها إبطه الأيمن ، ثم أخذ ثانية فطلى إبطه الأيسر ، ثم حلّ سراويله وأخذ منها فطلى أسته وذكره وخصيتيه ، ثم قال : يا أمير المؤمنين تأذن بدخول غلامي ؟ قال : نعم ، وقد غلب الرشيد الضحك ، فلما دخل الغلام ناوله الحق غير مختوم ، قال : اذهب الساعة إلى جاريتي . فقل لها : إدهني بهذه إبطك وحرّك وأستك حتى اذهب الساعة فأنيكك ، فذهب الغلام وكاد أن يغشى على الرشيد من شدّة الضحك ، وكاد العباس أن يموت غيظا ، فقام وأمر الرشيد لربيعة بثلاثين ألف درهم « 3 » .
وربيعة هو القائل في التفضيل بين يزيد بن أسيد السلمي ويزيد بن حاتم المهلبي « 4 » :
هامش
( 1 ) الغالية : ضرب من العطر .
( 2 ) الشحر : الشطّ ، وشحر عمان : ساحل البحر بين عمان وعدن .
( 3 ) الأغاني 16 / 276 - 277 .
( 4 ) يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب ابن أبي صفرة الأزدي ، أبو خالد : أمير ، من القادة الشجعان في العصر العباسي . ولي الديار المصرية سنة 144 ه ، للمنصور ، فمكث سبع سنين وأربعة أشهر ، وصرفه المنصور سنة 152 ثم ولاه إفريقية سنة 154 فتوجه إليها وقاتل الخوارج واستقر واليا بها خمس عشرة سنة وثلاثة أشهر ، قضى في خلالها على كثير من فتن البربر وغيرهم . وتوفي بالقيروان سنة 170 ه . وكان جوادا ممدوحا شديد الشبه بجده « المهلب » في الدهاء والشجاعة .
ترجمته في :
وفيات الأعيان 6 / 321 - 326 . وأعمال الأعلام ، نبذ منه 6 والنجوم الزاهرة 2 : 1 والاستقصا 1 : 58 وابن خلدون 4 : 193 والبيان المغرب 1 : 78 ، 81 وفيه : وفاته سنة 171 والولاة والقضاة 111 وخزانة البغدادي 3 : 51 - 53 ومطالع البدور 1 : 15 ومرآة الجنان 1 : 361 ، 396 ورغبة الآمل 5 : 203 - 204 ، الإعلام ط 4 / 8 / 180 .