قال : وكان الصاحب في الصغر إذا أراد أن يمضي إلى المسجد تعطيه والدته دينارا أو درهما كل يوم وتقول له تصدّق بهذا على أوّل فقير يلقاك ، فجعل هذا دأبه في شبابه إلى أن كبر وتوفيّت والدته وهو على هذا يقول للفراش كل ليلة : اطرح تحت المطرح دينارا أو درهما لئلا ينسى ، فبقي على هذا مدة ، ثم أن الفراش نسي ذلك ليلة من الليالي فانتبه الصاحب وصلّى وقلب المطرح ليأخذ الدينار والدرهم فما رآهما ، فتطيّر من تلك وظن أنه لقرب أجله ، وقال للفراشين :
شيلوا كل ما هنا من الفراش وأخرجوه واعطوه لأوّل فقير تلقونه حتى يكون كفّارة التأخير هذا ، فلقوا فقيرا أعمى هاشميا على يد امرأة وهو يبكي ، فقالوا : أتقبل هذا ؟ فقال : وما هو ؟ قالوا : مطرح ديباج ، ومخاد ديباج ، فأغمي عليه ، فأعلموا الصاحب بأمره ، فأحضروه ، وسقاه شرابا بعد ما رشّ عليه بالماء حتى أفاق ، ثم سأله ، فقال : سلوا هذه المرأة إن لم تصدقوني ، فقال له : إشرح ، فقال : أنا رجل شريف ولي ابنة من هذه المرأة خطبها رجل فزوّجناه ، ولي سنتان آخذ القدر الذي يفضل من قوتنا اشتري لها به قطعة صفراء وطفريه « 1 » وما أشبه ، فلما كانت البارحة قالت أمها اشتهيت مطرح ديباج ومخاد ديباج ، فقلت : من أين لي ذلك ، وجرى بيني وبينها خصومة إلى أن سألتها أن تأخذ بيدي وتخرجني أمضي على وجهي ، فلما قال لي هؤلاء الكلام حق لي أن يغشى علي . فقال الصاحب : لا يكون الديباج إلّا مع ما يليق به ، هاتوا الأنماطيين فجيء بهم ، واشترى منهم الجهاز الذي يليق بذلك ، وأحضر زوج الصبيّة ، ودفع له بضاعة سنية .
وحدثني أبو منصور البيع ، قال : دخلت يوما على الصاحب فأطلت الحديث ، فلما قمت قلت : لعلّي طوّلت ، قال : بل تطوّلت « 2 » .
قلت : وأحسب أن الشاعر أخذ هذا المعنى في قوله :
قلت : ثقّلت إذ أتيت مرارا * قال : ثقّلت كاهلي بالأيادي
قلت : طوّلت ، قال : لا بل تطوّ * لت وأبرمت ، قال : حب ودادي
وحكي : أن الصاحب استدعى شرابا ، فناوله غلام قدح شراب مسموم ، فقال له أحد خواصّه إنه مسموم ، وكان الغلام الذي ناوله واقفا ، فقال له
هامش
( 1 ) هكذا في الأصل .
( 2 ) يتيمة الدهر 3 / 194 .