في محمله ، فسمع حمامة تنوح وهما بقرب الري عند السحر ، فاستأذن الأمير في أبيات عرضت له فأذن له :
أفي كل يوم غربة وتروح * أما للنوى من أوبة فتريح
لقد طلح البين المشب ركائبي * فهل أرين البين وهو طليح
وأرّقني بالريّ نوح « 1 » حمامة * فنحت وذو الشجو الشديد ينوح
على إنها ناحت ولم تذر دمعة * ونحت واذراف الدموع سفوح
وناحت وفرخاها بحيث تراهما * ومن دون أفراخي مهامه سيح
فأجازه عبد اللّه بثلاثين ألف درهم وأذن له بالانصراف إلى أهله وهم بالجزيرة ، بعد أن كان لا يفارقه لعلمه باللغة وكتابته وأدبه .
وذكر الخطيب أبو بكر في تأريخ بغداذ : أنه غاب عن أهله ثلاثين سنة وأن عبد اللّه لما أذن له انصرف فرحا فمات ببغداذ قبل أن يصل إلى أهله « 2 » .
وأجاد بدر الدين يوسف بن لؤلؤ الذهبي « 3 » في قوله :
وتنبّهت ذات الجناح بسحرة * في الواديين فهيّجت أشواقي
ورقاء قد أخذت فنون الحزن عن * يعقوب والألحان عن إسحاق
قامت على ساق تطارحني الهوى * من دون صحبي في اللوى ورفاقي
أنّى تباريني جوى وصبابة * وكآبة وأسى وفيض مآقي
وأنا الذي أملي الجوى من خاطري * وهي التي تملي من الأوراق « 4 »
ومن الجيّد في هذه المادّة قول إبراهيم بن المبلّط « 5 » من شعراء الريحانة :
هامش
( 1 ) في هامش الأصل : « صوت » .
( 2 ) تاريخ بغداد .
( 3 ) هو بدر الدين يوسف بن لؤلؤ بن عبد اللّه الذهبي . كان شاعرا ماهرا ظريفا ، من كبار شعراء الدولة الناصرية . كان مملوكا فاعتقه الأمير بدر الدين صاحب ( تل باشر ) توفي سنة 680 ه وقد نيف على السبعين سنة .
ترجمته في : النجوم الزاهرة 7 / 351 ، وشذرات الذهب 5 / 369 ، أنوار الربيع 1 / ه 276 .
( 4 ) ريحانة الألبا 2 / 123 - 124 .
( 5 ) هو برهان الدين إبراهيم بن المبلط . شاعر مصري . قال الخفاجي : كان يجيد نسج المقطفات ، ويقصر إذا نظم المطولات . كان شيخ سوق الوراقة بالقاهرة ، وكان حيا في سنة 991 ه . له ديوان شعر . -