وعريب رطبة الشّفرين * قد نيكت ضروبا « 1 »
إذهب فخذ ما رهنت عليه ، ثم ألقت السجف « 2 » ، فعلمنا إنها عريب ، فهربنا خوفا لمكروه ينالنا من الغلمان « 3 » . وقالت لمن سألها : أي الرجال أحبّ إليك ، شرطي أير صلب ونهكة « 4 » طيبة ، وإن انضاف إلى ذلك جمال زاد قدره عندي ، وإلّا فهذان لا بد منهما « 5 » .
وعتب المأمون عليها فهجرها ثم مرضت فعادها فقال لها : كيف وجدت طعم الهجر ، فقالت : لولا مرارة الهجر لم تعرف حلاوة الوصل ، ومن ذم بدء الغضب حمد عاقبة الرضا ، فخرج المأمون إلى ندمائه متعجبّا من بلاغتها وأخبرهم ، وقال : لو نعلم كلامها لكان معنى بديعا .
قلت : المعنى مأخوذ من قول عليّة بنت المهدي :
إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضى * فأين حلاوات الرسائل والكتب
وروى الأصبهاني أيضا : إن المأمون اصطبح يوما ومعه عريب وندماؤه ، وفيهم محمد بن حامد ، فأومأ محمد إليها بقبلة ، فاندفعت تغنّي بقول النابغة في كليب :
رمى ضرع ناب فاستقلّ بطعنة * كحاشية البرد اليماني المسهّم « 6 »
فقال المأمون : من أومأ منكم إلى عريب بقبلة ليصدقني أو لأضربن عنقه ، فقال ابن حامد : أنا ، والعفو أقرب للتقوى ، قال : قد عفوت ، قال : وكيف استدل على ذلك أمير المؤمنين ؟ قال : ابتدأت صوتا وهي لا تغنّي ابتداء إلّا لمعنى ، وعلمت أنها أجابت من أومأ إليها بطعنة ولم يكن من شرط هذا المعنى إيماء إلّا بقبلة « 7 » .
هامش
( 1 ) رطبة الشفرين : كناية عن كثرة مواقعة الرجال لها .
( 2 ) السجف : أحد السترين المقرونين بينهما فرجة .
( 3 ) الأغاني 21 / 73 - 74 .
( 4 ) هكذا في الأصل ، وفي الأغاني : « نكهة » وهي رائحة الفم .
( 5 ) الأغاني 21 / 84 - 85 .
( 6 ) الناب : الناقة المسنّة ، أي أن هذه الطعنة نفذت فأحدثت بضرع ما يشبه النقش المسهّم في البرود اليمنية .
( 7 ) الأغاني 21 / 80 - 81 .