رذاذ وطلّ ، وأبهى في العيون من حديقة سفك فيها الربيع دم الشقيق وطلّ ، ألفها من شمائله أسكر من الحميّا ، وأعطر من ندى الورد ريّا ، وأما مفاكهته فأعذب من حديث الأخوان ، وألذّ من نغمات الأوتار في مسامع النشوان ، الماجد الذي يبلغ عن المحامد غاية الإرادة ، والسيد الذي لما وقف على تأليف هذا قلت : هكذا فلتكن السيادة ، وعلى الجملة فإن من أطرى في مدحه ، وأتعب في وصفه ، طير ثناءه بصدحه كمن قال للبدر ما أبهاك ، ولشهد النحل ما أشهاك ، وللمسك ما أعطرك ، وللروض المونق ما أنضرك ، فما جهد المادح وهو أنا إذا لم يدرك بمدحه إنصاف ذي المرتبة العظمى ، وما جهد الناثر وهو أنا إذا لم يرق المقام حقه بنثره ، حتى قالت بعد ذلك نظما :
أكرم بما أهدت النسيم لنا * من خبر قد أهاج لي شجنا
قد هزّ عطفي الذي روت فإذا * رأيت ما قلت خلتني غصنا
كأنني غصن بانة خضل * تتيح ريح الصبا هنا وهنا
إن قيل هذا النسيم قد نعشت * ميتا بما قد روته فهو أنا
كم فقر قد حوت يعود بها الفق * ير بالدر في أتمّ غنى
لو عوّض الجيد عمّا في قلائده * بها لما قيل قط قد غبنا
قد أحرمت عين كل ذي حسد * إذ أشرقت بهجة لنا وسنا
ما الروض قد أرقصت حمائمه * منه بترديد سجعها فننا
ما الورد في الخد شاق عاشقه * له من الدمع عارضا هتنا
ما غادة أسفرت فعاد بها * ذو العقل بعد الرقاء مرتهنا
تطعن من قدّها ويحسر من * ها الأنف في كل حاله بقنا
أصبح بين الورى مؤلفها * بكل ما قيل في الثنا قمنا
ثنى عناني إلى جواهرها * فقلت في مدحه أجلّ ثنا
حتى على حاسديه قد نثرت * أغصان أقلامه الدجنا
يا يوسف العصر منه صرت على * خزائن المعجبات مؤتمنا
قلدت أعناقنا جواهرها * فضلا وأوسعت وغدنا مننا
وجئت في آخر الزمان بما * أعجز إدراك شأوه القرنا
قد وعز الآن وجه حاسده * ما جمعت إذ نال شدّة وعنا
لا زلت تأتي بكل معجزة * للغير إذ حزت دونه اللسنا