أدام اللّه له ما منحه ، ولا أقول يزيده لأنه قد بلغ السماك واجتنى من زهر المنظوم والمنثور ما يريده ، وأبى أن تحيى إلّا بالجوهر لأنه البحر ، وأن يفيض به كل كاشح حتى يملأ بصدره السحر ، وسرّني بما حباني لولا الإساءة بتكليف الجواب ، وأنّى للسكيت بحلبة الأدب مجاراة الجياد العراب وابن اللبون إذا ما لزّ في قرن ، لم يستطع صولة البزّل القناعيس ، وكنت قد امتثلت رسمه الماضي ، الذي له جدد ، فاستأنفت الإعارة له والفوز كاسمه أحمد ، وضارعت بالفعل الحديث ذلك الماضي ، وأعوذ بكماله أن أخالف حكم القاضي على أني وجهت ركائب فكري إلى نقاد الجوهر ، وما أدري ما يقول وشعري وإن شمّر على الأقران فهو عندي كثير الفضول ، وأما المرسل إليه فشعره أشاب الوليد من حسده ، وعرّى بمعانيه أبو العلاء فهو المعرّى ، ولما قابل هذا الذهب جسده وصيّر بغيضا إلى أهل الذوق محاسن شعر حبيب وعزله وهو والي ، وهذا شيء عجيب .
وكتب لي وقد رأى مسوّدة هذا الكتاب : عليه هبّت نسمة السحر ففتحت من الورد في أكمام حلل الرياض الفقر ، وتعطّرت أذيالها لما أنبت أنّ مؤلفها المحسن فيما رقم ، وشابهت النسيم الحقيقية في الطيب واللطف وحاشاها من السقم ، فنسيم الأسحار بجنبها « 1 » عليلة ، وأذيالها من مدائح الندى حسرة على ما فاتها من بطنها بليلة ، عين اللّه عليها من كلمات أخمل وجودها ذكر ما تقدمها من التأليف ، ودلّت على أن مصنفها مهر في علم الأدب وقوى فيه ، وأثبت على أن مرصّعها أذعنت له بحور الشعر وقوافيه ، فهي نسيم سرت من مدارها في الأسحار ، وتأليف نفث عن قراطيسه بالأسحار ، وأزهار سقيت من غمام مؤلفها بندى وحلل موّشاة ما ذهب العمر في نسج لحمها شذا أندى على الأكباد من
هامش
- ترجمته في :
النجوم الزاهرة 6 : 156 ، وفيات الأعيان 3 / 158 - 163 ، وخطط مبارك 6 : 12 ، وكتاب الروضتين 2 : 241 ، والكتبخانة 4 : 290 وBrock . S . I : 549، والنعيمي 1 : 90 ، والنويري 8 : 1 - 51 والسبكي 4 : 253 ، وخريدة القصر : قسم شعراء مصر 1 : 35 ، وهو فيه « عبد الرحيم بن علي بن الحسن بن الحسن بن أحمد البيساني » ، وفي هامش الصفحة نفسها : كان أبوه يلي قضاء بيسان في فلسطين فنسب إليها ، وفي كشف الظنون 2 : 1016 « سيرة الملك المنصور قلاوون للقاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني » وهو خطأ ، فالقاضي الفاضل توفي قبل مولد قلاوون بربع قرن ، وإنما الكتاب من تأليف شافع بن علي العسقلاني ، أنظر ترجمته ، الإعلام ط 4 / 3 / 346 .
( 1 ) في هامش الأصل : « بحبّها » .