فما للّيالى أقعدتنى عن المنى * وقد خالستنى بالخديعة والمكر
وما لي قد أصبحت خلوا من الهوى * وحيدا بلا خلّ كأني أبو ذرّ « 1 »
فيا لأخلّائى الذين تباعدوا * دنوّا فحسبى ما لقيت من الهجر
إذا ما تذكّرت الحمى وأحبّتى * فكلّى عيون في معالمه تجرى
ولكنّ شغلى بامتداحى أخا العلا * يزحزح من كرب توالى على صدري
هو ابن الأمير النّدب خير مهذّب * هو المعتفى سبل الأكارم بالبرّ
هو الفاضل البحّاث في كلّ مشكل * هو الغرّة البيضاء في جبهة الدهر
هو الكامل العدل الذي حيّر النّهى * هو الماجد الممدوح في النظم والنثر
خليلي الذي أصفيته الودّ يافعا * وأشددت في عهد الشباب به أزرى
وخدنى ومن وافيت في عهد صبوتى * وأشركته دون البريّة في أمرى
فيا فاضلا أعيى الفهوم ذكاؤه * وألفاظه المختار من درر البحر
لقد حيّرت منك اللّها كلّ شاعر * فماذا عسى أبدى لديك من الشّعر
أتت منك لي خود تهادى كأنها * عروس الأماني قد تبدّت من الخدر
عروب لقد عزّت على كلّ خاطب * ولطف معانيها أرقّ من السحر
بعيدة مأمول المعاني وهكذا * تعزّ منى لا كلّ غالية المهر
فقمت لها سعيا وعظّمت شأنها * وقبّلتها بين التّرائب والنّحر
سترقى مقاما دونه كلّ رتبة * وتعلو على العلياء مرتفع القدر
فها أنت يا مغنى اللّبيب بفضله * مباديك تبنى بالمكارم والفخر « 2 »
هامش
( 1 ) يشير إلى أبي ذر جندب بن جنادة بن سفيان الغفاري ، الصحابي الجليل ، حين خرج مغاضبا لعثمان رضى اللّه عنه إلى الربذة خارج المدينة ، فسكنها وانقطع عن أصحابه إلى أن مات سنة اثنتين وثلاثين .
( 2 ) جاء في آخر شرح الأمير على مغنى اللبيب أنه وافق الكمال صبيحة ليلة الاثنين المبارك من شوال سنة ثمان وثمانين ومائة وألف ، فلعل المترجم أدرك هذا الزمان .