وأنت لسان الملك الناطق بلا اعتراض ، ويده المتصرّفة في سائر الأغراض ، وطبيب أحكامه الشافي من كلّ الأمراض ، ولك الأمر
فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ
« 1 » .
قال كريم الطّباع ، الراوي لهذه الأسجاع : فلمّا سمع العقل ما قالاه ، ورآى أنهما ألزماه الحكومة وإن عثر ما أقالاه ، لبث هنيئة ينتظر الإذن في الكلام ، ويحرّر من القول ما يخرجه عن الملام .
إجلالا للحضرة السلطانيّة وتبجيلا ، وعملا بما قيل :
إن الكلام لفى الفؤاد وإنما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا
حتى حصلت له الإشارة ، ووصلت نتائج أفكاره المستشارة .
فاستعاذ من الشيطان الرجيم ، وقال : بسم اللّه الرحمن الرحيم .
أما بعد ؛ فإنّ الحكومة معيار الذّمم ، ومحكّ الهمم .
وميزان الفضل والمعرفة ، وميدان الأفكار المتصرّفة .
وممرّ أنهار البلاغة والفصاحة ، ومقرّ أطواد الرّصانة والرّجاجة ، ومصرع جنوب المودّة والصداقة ، لكن في معارك ذوى الجهل والحماقة
والحقّ يأبى الجمع بين النّقيضين ، والعقل يحرص على الإصلاح بين البغيضين .
والتوفيق عزير ، وخير القول الجامع الوجيز .
وبحر المدح والقدح لا تفنى عجائبه ،
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلّها * كفى المرء نبلا أن تعدّ معايبه « 2 »
ومن هنا أيها الفقر والغنى ينبغي أن تعلما أنكما أدخلتمانى في أضيق من سمّ الخياط ، وكلّفتمانى المرور على جهنّم فوق الصّراط ، وأشقّ المسالك الشرعيّة باب الاحتياط .
هامش
( 1 ) سورة طه 72 .
( 2 ) البيت ليزيد بن محمد المهلبي الشاعر العباسي ، وهو في التمثيل والمحاضرة 93 ، زهر الآداب 1 / 55 ، نهاية الأرب 3 / 90 .