وهجر كدّ الطلب ووباله ، وفرّغ بطاعة مولاه خاطره وباله .
وتمسّك بأوثق الوسائل ، لتحصيل العلوم والفضائل .
واستحقّ أن ينشد لسان افتخاره :
غيرى يغيّره فعال الجافي * ويحول عن شيم الكريم الوافي « 1 »
ويرشد عند اختياره :
إن الغنىّ هو الغنىّ بنفسه * ولو أنّه عارى المناكب حافى « 2 »
وأما من أبغضك وأحبّنى ، ورفضك وقرّبنى ، وأبعدك وأنت قائم في خدمته كبعض عبيده ، وطردك وأنت باسط ذراعيك بوصيده ، فإنه رجل الدنيا وواحدها « 3 » ، وطالب الأخرى فواجدها .
وحسبك بإبراهيم بن أدهم بعد نزوله من أعلى القصور « 4 » ، وعمرو بن عبيد وجلالة قدره عند المنصور « 5 » .
دع أهل هذه الطبقة وما حووه من المفاخر ، وأتل :
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ
« 6 » .
أليس قد ورد عنه صادق النّبا ، بأنه قد « 7 » نشز عنك ونبا ، وقد عرض عليه أن تصير معه جبال تهامة فضّة وذهبا ؟ !
ثم من العجب زعمك أنك العزيز وأنا الذليل ، وأنّى الحقير وأنت الجليل .
هامش
( 1 ) البيت لأبى فراس الحمداني ، وهو في ديوانه 1 / 256 ، وفيه : « الفعال الجافي » .
( 2 ) البيت أيضا لأبى فراس الحمداني ، من القصيدة التي سبق أولها .
( 3 ) في ا : « وأوحدها » ، والمثبت في : ب ، ج .
( 4 ) ذلك أنه كان من أبناء الملوك والمياسير من أهل بلخ ، خرج متصيدا فهتف به هاتف ، فترك طريقته في التزين بالدنيا ، ورجع إلى طريقة أهل الزهد والورع .
انظر طبقات الصوفية 27 .
( 5 ) بلغ من جلالة قدره عند المنصور أن رثاه ، وكان عمرو بن عبيد زاهدا عالما ، شيخا للمعتزلة في عصره .
انظر وفيات الأعيان 3 / 130 .
( 6 ) سورة الأحزاب 21 .
( 7 ) ساقط من : ا ، وهو في : ب ، ج .