وكم أوقعت فتنتك بين المرء وأبيه ، وخليله وأخيه ، وصاحبته وبنيه ، وفصيلته التي تؤويه ، ومن في الأرض جميعا ثم لا ينجيه « 1 » .
ولعلّك تقول : إن من ذكرت ، وشنّعت عليهم وأنكرت ، منك هربوا فلاذوا بسابغ ظلّى ، وفي حماك أجدبوا فاستسقوا وبلى وطلّى ، فأنت الذي حملتهم على أن يرتكبوا ما ارتكبوا ، حتى حادوا عن القصد ونكّبوا ، فعوقبوا ونكبوا .
كلّا ، إن خرط القتاد « 2 » ، دوون هذا الإيراد .
فمن المعلوم أن كثيرا ممّن ظهرت غواياتهم ، وبعدت في الفساد غاياتهم ، قد يرضى لنفسه بسمة القباحة ، مع كونى لم أطرق له ساحة .
وإنما يقصد الزّيادة من كيلك ، أو التّقويم لأودك عند ميلك ، فتعشى عين بصيرته في ليلك .
وأما من سواهم ، وقليل ما هم ، فلو كان قصده بأفعاله الشّنيعة ، إفلاته من حوزتى المنيعة ، لكنت تراه يكتفى بالطّفيف الذي يبعده عنّى ، ولا يتآكد مصاعد التّمنّى والتّعنّى « 3 » .
دليلك أن الفقر خير من الغنى * وأن قليل المال خير من المثرى « 4 »
لقاؤك شخصا قد عصى اللّه للغنى * ولست ترى شخصا عصى اللّه للفقر
ويؤكّد هذه الأحكام الجليلة ، ما أثبتته الأدلة العقليّة والنقليّة ، أن جمع الأموال ، من وجوه الحلال ، يكاد يدخل في المحال .
أما تعلم أن من قابلنى بالرّضا ، والتسليم للقضا .
وكفّ نظره عن الطّماح ، وعامل هواه بالزّجر لا بالسّماح .
ظفر بكنز القناعة ، وطفر عن وهاد الذّلّ والخناعة .
هامش
( 1 ) ينظر فيما تقدم إلى الآيات 12 - 14 من سورة المعارج .
( 2 ) القتاد : شجر له شوك .
( 3 ) في ا : « والتغني » ، والمثبت في : ب ، ج .
( 4 ) في ا ، ب : « وأن القليل المال » ، والمثبت في : ج .