لكنه قال في أثناء ذلك : ما أراني أضللت المسالك ، وأنا ما قلت وإن فخرت وطلت لعنان الحقّ مالك .
وليس بملوم من نطق بالحق وصدع ، وإن شقّ قلب المعاند وصدع « 1 » ، والحقّ أحقّ أن يتّبع .
وما المرء إلّا حيث يجعل نفسه * وإنّى لها فوق السّماكين جاعل
قال الرّاوى : فاستشاط الفقر من الغيظ ، وتلظّت أنفاسه أحرّ من سموم القيظ .
وأنف من الذّلّ والاستكانة ، إذ أنزله الغنى إلى هذه المكانة .
وأنشد وقد أشعل نار الحميّة تسعيرها :
ونفسك أكرم عن أمور كثيرة * فمالك نفس بعدها تستعيرها « 2 »
ثم انبرى للمقاومة مسترسلا ، بعد أن تضرّع إلى اللّه تعالى متوسّلا ، وقال متمثّلا :
إحدى لياليك فهيسى هيسى * لا تنعمى الليلة بالتّعريس « 3 »
إلا أنه خاطب خطاب من قيّد الحلم ألفاظه ، وسدّد العلم إيقاظه .
فقال : أيها الغنى لقد صرّحت وما كنّيت ، وعجلت وما تأنّيت ، فبرّحت إذ تجنّيت .
وليتك حين صددت عن الإنصاف وأبيت ، لم تعمر بيتا بخراب بيت .
أخبرني عن هذا الرئيس ، الذي ملأت أنت له الكيس .
فزعمت أنه إنما صار لما ذكرت قائلا ، من حيث كان في ظلّك قائلا « 4 » .
هامش
( 1 ) في ا : « وانصدع » ، والمثبت في : ب ، ج .
( 2 ) البيت في ريحانة الألبا 1 / 59 ، وفيه : « فما لك نفس غيرها تستعيرها » .
( 3 ) البيت في اللسان 6 / 252 ( ه ى س ) دون نسبة . وهاس يهيس هيسا : سار أي سير كان .
( 4 ) من القيلولة .