تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الثقافة العربية ) — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
وفيه تسلية لنفس البائس الفقير ، وتقوية لقلب الآيس الحقير . وإعانة للمبتلى بهذا الداء العضال ، وإبانة للغرض إن نشط للنّضال . لكن حقيقة الحال أن هذا الفاضل لما كان من كبار الأتقياء الزاهدين ، وخيار الصلحاء العابدين . ومعلوم أن غالبهم قد اختار التقشّف الموصوف ، وشيّد بناء التزهّد المرصوف . وهجر أنواع زخرف الدنيا وصنوفه ، حتى قطع مسافتها وما بلّ بحر صوفة « 1 » .
كانوا جمال زمانهم فتصدّعوا * فكأنما لبس الزمان الصّوفا « 2 »
فبنى رحمه اللّه تعالى على مقتضى طريقتهم ، وفضّل الفقر إذ كان مرتضى حقيقتهم . وهو الحقّ الذي لا ريب فيه ، والإنصاف الذي يرتضيه الأريب ويصطفيه . ولا يعارضه في مراده ، مفاد :
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ
« 3 » . فإن من راد « 4 » نفسه على حلول هذه السّاحة ، وخشي أن يغرق عند تلاطم الأمواج وإن كان متقنا للسباحة ، لا يلزمه أن « 5 » قال بالتّحريم وعدم الإباحة .
وأحزم الناس من لو مات من ظمأ * لم يقرب الورد حتى يعرف الصّدرا
وأما أرباب العصمة ، فهم البريئون من كلّ وصمة . فإنهم شاهدوا حظّهم الأشرف الأسمى ، فلم يثبتوا لما دونه رسما ولا اسما . وقصروا نظرهم على الخالد الباقي ، وأنفوا أن تطأ أقدامهم الأرض وهم في أعلى المراقى ، ومن ورد البحر استقلّ السّواقى . ولما تأمّلت تلك المقامة ، بوّأ اللّه منشيها دار المقامة . رأيت مبنى الأفضليّة فيها على أن جعل الفقر أمهر في تحصيل العلوم والمعارف ، وأكثر مقيلا في ظلّها الوارف .
هامش
( 1 ) صوف البحر : شئ على شكل الصوف الحيواني . قال ابن منظور : « ومن الأبديات قولهم : لا آتيك ما بل بحر صوفة » . اللسان 9 / 200 ( ص وف ) . ( 2 ) البيت لأبى تمام ، وهو في ديوانه 206 ، وفيه : « كانوا رداء زمانهم » ، وانظر ريحانة الألبا 2 / 426 . ( 3 ) سورة الأعراف 32 ، وفي الأصول : « التي أخرجها لعباده » . ( 4 ) في الأصول : « زاد » . ( 5 ) في ا : « أنه » ، والمثبت في : ب ، ج .