وبعد :
فقد وقفت على مقامة أنشأها بعض المتأخّرين الأفاضل الأعاظم ، ووشّاها بدرر الفوائد هديّة لكل ناثر وناظم .
ابتدعها على لسان الفقر والغنى كالمفاخر بينهما والمفاضل ، وأودعها من الحجج التي يفلح بمثلها المناظر « 1 » والمناضل .
فمدّ بها في العلوم باعه الأطول ، وأمدّ الفهوم بمصداق « كم ترك الأوّل » .
قاصدا بذلك رياضة العقول ، في رياض المقول .
وتبريض « 2 » اللسان ، بوقائع شآبيب البيان .
وتعريض الإحسان ، للقانع بالأثر عن العيان .
فأيّد فيها الفقر على الغنى ، وشيّد له في الفخر على البنا .
وجعله سابق الحلبة مجلّيا « 3 » ، وأتلاه « 4 » بالغنى بعد لأي مصلّيا « 5 » .
حتى أقرّ له بالتّقدّم تسليما ، وأخلص لوداده بعد التّندّم على عناده قلبا سليما .
هذا وإن كان الفقر عند أبناء « 6 » الدّنا ، مليّا باكتساب « 6 » العنا ، خليّا عن أسباب الغنى ، حفيّا في اقتضاب المنى ، كفيّا في سدّ أبواب الهنا .
وبينه وبين النفوس ، ما بين تغلب وبكر غبّ غداة البسوس .
وقد أوقع فيها من المكروه والمساءة ، ما لم يوقعه قيس بابنى بدر يوم الهباءة « 7 » .
وحطمها ولا تحطيم الإبل المجفلة ، جيوش لقيط يوم جبلة « 8 » .
هامش
( 1 ) في ا : « المناظم » ، والمثبت في : ب ، ج .
( 2 ) التبريض : ترشف الماء .
( 3 ) المجلى :
هو الأول في خيل السباق . حلية الفرسان 144 .
( 4 ) في ا : « وأجلاه » ، والمثبت في : ب ، ج .
( 5 ) المصلى : هو الثاني في خيل السباق . حلية الفرسان 145 .
( 6 ) في : ا « الدنيا عليا بإكساب » ، والمثبت في : ب ، ج .
( 7 ) الهباءة : أرض ببلاد غطفان ، قتل بها حذيفة وحمل ابنا بدر الفزاريان ، قتلهما قيس بن زهير . معجم البلدان 4 / 947 .
( 8 ) يوم جبلة لعامر بن قيس وحلفائهم من عبس ، على تميم وحلفائهم من ذبيان وأسد وغيرهما .
وجبلة : جبل طويل له شعب عظيم واسع لا يرقى الجبل إلا من قبله . -