ووسمها بالعار الباقي على الزّمان ، كما وسم به لبيد الربيع بن زياد في مجلس النّعمان « 1 » .
ونفورها عنه ولا نفور الغادة الفتيّة عن مقاربة الشّيب ، والشّنشنة « 2 » الأخزميّة من مقارنة العيب .
وبعدها عنه بعد العزائم اليقينيّة عن شبهات الرّيب ، والكثائف الجسمانيّة عن إدراك محجّبات الغيب .
هذا وعقال العقول في تقييد صعاب النفوس محلول ، وحسام الفكر المصقول عن قطع أعصاب الأهواء مغلول .
والناس أكيس من أن يمدحوا رجلا * ما لم يروا عنده آثار إحسان « 3 »
فلا جرم كاد ينعقد الإجماع ، كما لا يخفى على ذي نظر وسماع ، على بغض الفقر وذمّه ، وقصده بالصّدّ وأمّه ، وتواتر الدعاء بالهبل والثّكل على أمّه .
ومن يجعل المعروف من دون عرضه * يفره ومن لم يتّق الشّتم يشتم « 4 »
فكان ما اختاره رحمه اللّه من هذا الصّنيع ، معدودا في فن المغايرة من البديع .
هامش
- وكان من أمر يوم جبلة أن قيس بن زهير العبسي أشار على قومه أن يحبسوا نعمهم في شعب جبلة ، ويظمئوها أياما ، فلما اقتحم لقيط بن زرارة سيد بنى تميم الجبل أطلق بنو عبس عليهم الإبل ، وأنخسوها بالسيوف والرماح ، فخرجت عطاشا مذاعير تحطم كل شئ ، وخبطت تميما ومن معها ، فانحطوا منهزمين في الجبل ، وجعلت بنو عامر يقتلونهم ، فهزموهم شر هزيمة . انظر أيام العرب في الجاهلية 349 ، 355 ، 356
( 1 ) وذلك أن وفد بنى عامر أتوا النعمان بن المنذر أول ما ملك ، في أسارى من بنى عامر يشترونهم منه ، فخلفوا لبيدا في رحالهم إذ كان صغيرا ، ودخلوا على النعمان ، فوجدوا عنده الربيع بن زياد العبسي ، وكان نديم النعمان قد غلب على حديثه ومجلسه ، فجعل الربيع يهزأ بهم لعداوة غطفان وهوازن ، ورجعوا بحال سيئة ، وأخبروا لبيدا ، فعاد معهم ، فانتهوا إلى النعمان وربيع وهما يأكلان ، فكان مما أنشده لبيد للنعمان :* مهلا أبيت اللّعن لا تأكل معه ** إنّ استه من برص ملمّعه *فأفسد ما بينه وبين الربيع بن زياد .
انظر ديوان لبيد 343 ، والمعارف 581 .
( 2 ) الشنشنة : الطبيعة . ومن أمثالهم « شنشنة أعرفها من أخزم » .
( 3 ) البيت في التمثيل والمحاضرة 305 ، وفيه : « أن يحمدوا رجلا * حتى يروا . . . . »
( 4 ) البيت لزهير بن أبي سلمى ، من معلقته ، ديوانه 30 ، وفيه : « ومن لا يتق الشتم » .