فاسلم ودم دامت معاليك ترى * أوصافها للسّمع كالشّنوف
* * * وبلغني من بعض السادة ، أنه أنشأ محاكمة بين الغنى والفقر ، فكتبت إليه أطلبها منه :
بلغني خبر المحاكمة ، التي أنشأها السيد مقامة ، وأفاد بها أن لا أحد يساوى مقامه .
فعرفت أنه أتى بالعجب العجاب ، واستأثر بما هنالك من الإغراب والإعجاب .
جريا على ما يعهد من طبعه المهذّب ، وفكره الذي ينشئ الوشى المذهّب .
فكم لفظ منه بحر الفكر ، أمثال هذا الجوهر البكر .
فأطلع الكلام درّا ، وبيان البنان سحرا .
وصيّر بطون المهارق بوارق ، وما بين مدبّ الأقلام خوارق .
من قواف تنير حنادس الأفهام ، وتتلاعب بالأفكار تلاعب السّحر بالأوهام .
وفقر أبهى من الغنى بعد الفقر ، وأشهى من الوطن غبّ مقاساة وحشة القفر .
فلله تلك البديهة النّبيهة ، والفكرة النّزيهة .
حيث أتت بمستبينة الإعجاز ، مميّزة للحقّ على الحقيقة والمجاز .
فأنست بمحاسنها آثار المتقدّم ، وصيّرت المجترى على مثلها كالمتندّم .
فلعلّ السيد يمتّع بها طرفي وسمعي ، ويجمع بسببها شمل فكرى وطبعى .
فأغنى بها عن نديم ومدامة ، وأغدو من منادمتها في السّلامة بلا ندامة .
هذا وشوقى إلى ذلك المنظر البهج ، واجتلاء بدائع منطقه اللّهج ، شوق القارظىّ « 1 » إلى سكون وسكنى ، والقيسىّ « 2 » إلى لبون « 3 » ولبنى .
هامش
( 1 ) يضرب المثل بغيبة القارظى في الذي لا يؤمل عوده . انظر مجمع الأمثال 1 / 142 .
( 2 ) يشير إلى قيس بن ذريح وصاحبته لبنى . انظر خبرهما في تزيين الأسواق 44 .
( 3 ) اللبون كاللبانة : الحاجة ، واللبون أيضا ذات اللبن .