تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الثقافة العربية ) — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
فاسلم ودم دامت معاليك ترى * أوصافها للسّمع كالشّنوف
* * * وبلغني من بعض السادة ، أنه أنشأ محاكمة بين الغنى والفقر ، فكتبت إليه أطلبها منه : بلغني خبر المحاكمة ، التي أنشأها السيد مقامة ، وأفاد بها أن لا أحد يساوى مقامه . فعرفت أنه أتى بالعجب العجاب ، واستأثر بما هنالك من الإغراب والإعجاب . جريا على ما يعهد من طبعه المهذّب ، وفكره الذي ينشئ الوشى المذهّب . فكم لفظ منه بحر الفكر ، أمثال هذا الجوهر البكر . فأطلع الكلام درّا ، وبيان البنان سحرا . وصيّر بطون المهارق بوارق ، وما بين مدبّ الأقلام خوارق . من قواف تنير حنادس الأفهام ، وتتلاعب بالأفكار تلاعب السّحر بالأوهام . وفقر أبهى من الغنى بعد الفقر ، وأشهى من الوطن غبّ مقاساة وحشة القفر . فلله تلك البديهة النّبيهة ، والفكرة النّزيهة . حيث أتت بمستبينة الإعجاز ، مميّزة للحقّ على الحقيقة والمجاز . فأنست بمحاسنها آثار المتقدّم ، وصيّرت المجترى على مثلها كالمتندّم . فلعلّ السيد يمتّع بها طرفي وسمعي ، ويجمع بسببها شمل فكرى وطبعى . فأغنى بها عن نديم ومدامة ، وأغدو من منادمتها في السّلامة بلا ندامة . هذا وشوقى إلى ذلك المنظر البهج ، واجتلاء بدائع منطقه اللّهج ، شوق القارظىّ « 1 » إلى سكون وسكنى ، والقيسىّ « 2 » إلى لبون « 3 » ولبنى .
هامش
( 1 ) يضرب المثل بغيبة القارظى في الذي لا يؤمل عوده . انظر مجمع الأمثال 1 / 142 . ( 2 ) يشير إلى قيس بن ذريح وصاحبته لبنى . انظر خبرهما في تزيين الأسواق 44 . ( 3 ) اللبون كاللبانة : الحاجة ، واللبون أيضا ذات اللبن .