فأغثني دنيا وأخرى بمولا * ك ليهدا روعي ويقوي رسيسي « 1 »
لو تشفّعت في سبا لعلمنا * أنهم فائزون بالمحسوس
فعليك الصلاة ما هجّر الرك * ب وحثّ القلاص للتّعريس
ثم دخل حلب . قال العرضيّ : فنزل منها في صدر رحيب ، وقابلته بتأهيل وترحيب . ثم انثالت إليه من أبناء الشّهباء عيون أعيانها ، من وجوه علمائها وأشرافها ، الذين هم إنسان حدقة إنسانها ، انثيال الدّرّ ، إلى الواسطة من عقد النّحر ، واحتفّت به احتفاف النّجوم بالبدر . ممّن دعاه ناديه فلبّاه ، وحظي بإقبال وجهه وطلعة محيّاه . فرأيناه يحاضر بأخبار الطّالبيّين ، الحسنيّين منهم والحسينيّين . سيّما الشريف الرّضيّ من وجه مذهبه في البلاغة وضيّ ، وطريقه وهو أخو المرتضى مرضيّ . ويلهج كثيرا بأخباره ، ويحفظ أغلب أشعاره . قال : فمدحته بقصيدة ، مطلعها : [ م . الكامل ]
لله أكناف بخيف * طابت وطال بها وقوفي
إلى أن تخلّصت إلى مديحه :
وإذا طلبت عريفهم * ولأنت بالفطن العريف
فهو الشريف بن الشري * ف بن الشّريف بن الشريف
فتمايل لدى إنشادها طربا ، وأظهر بها إعجابا وعجبا . قائلا : لا فضّ الله فاك ، وكثّر من أمثالك . فقلت : استجاب الله دعوتك هذه ، كما استجابها من جدّك رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، حين أنشده النّابغة الجعديّ : [ الطويل ]
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا * وإنّا لنرجوفوق ذلك مظهرا
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « فأين المظهر يا أبا ليلى » ؟ قال : الجنة يا رسول الله . فقال :
« قل إن شاء الله » . ثم قال :
ولا خير في حلم إذا لم يكن له * بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
ولا خير في أمر إذا لم يكن له * حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
فقال له صلّى اللّه عليه وسلم : « لا فضّ الله فاك » . فبلغ عمره مائة سنة ، لم يتغيّر له سنّ ، بل كان أحسن الناس ثغرا « 2 » .
ثم قصد الشريف أحمد دار السّلطنة العليّة ، قسطنطينيّة المحميّة ، فلقي سلطان الوقت إذ ذاك السلطان مرادا بقصيدة فريدة ، سأله فيها توليته مكّة . أولها : [ الوافر ]
ألا هبّي فقد بكر النّدامى * ومجّ المرج من ظلم النّدى ما
فقيل : إنه أجابه إلى ملتمسه ومراده ، وأرعاه من مقصده أخصب مراده . ولكن
هامش
( 1 ) رسيسي : الرسيس أول الحب وأول الحمى . اللسان ، مادة ( رسس ) .
( 2 ) لم أعثر عليه .