مدّت إليه يد الهلك ، قبل أن ينال الملك . وقيل : بل أجزل عطاه فقط ، فقدّ طمعه عمّا تمنّاه وقطّ . ولم يعد إلى مكة ، وتوفّي في تلك السنة ، أوفي التي تليها . وتتمة هذه القصيدة قوله بعد المطلع :
وهينمت القبول فضاع نشر * روى عن شيح نجد والخزامى
وقد وضعت عذارى المزن طفلا * بمهد الرّوض تغذوه النّعامى
فهبّي وامزجي خمرا بظلم * ليحيى ما أماتت يا أماما
ومنّي بالحياة على أناس * بشمس الرّاح صرعى والظّلاما
فكم خفر الفوارس في وطيس * فتى منا وما خفر الذّماما
وكم جدنا على قلّ بوفر * وأعطينا على جدب هجاما
قوله : « وقد وضعت عذارى » البيت . المراد بالطّفل هو النّبت ، واستعارة الأمّ المرضع للمزن ، كما وقع في قول الباخرزيّ ، من قصيدة :
وترعرعت فيه لطيفات الكلا * رضعانة ضرع الغمام الغادي
ومنه مطلع قصيدة يحيى بن هذيل التّجيبيّ المغربيّ :
نام طفل النّبت في حجر النّعامى * لاهتزار الطّلّ في مهد الخزامى
وهذا البيت مطلع قصيدة من المرقّص والمطرب ، بل مطلع شمس البلاغة وإن كان قائلها من المغرب . وبعده :
وسقى الوسميّ أغصان النّقا * فهوت تلثم أفواه النّدامى
كحل الفجر لهم جفن الدّجى * وغدا في وجنة الصبح لثاما
تحسب البدر محيّا ثمل * قد سقته راحة الصّبح لثاما
حوله الزّهر كؤوس قد غدت * مسكة الليل عليهنّ ختاما
قوله : « كحل الفجر » . البيت ، ما زلنا في تردّد وشبهة في معنى هذا البيت ؛ فإنه أسند التّكحيل إلى الفجر ، وهو لا يلائمه ؛ لابيضاضه ونوره ، وإنما يلائم التكحيل ما كان أسود مظلما ، وبعض الأفاضل حمله على أنه في ليلة مقمرة ، يغيب القمر فيها لدن طلوع الفجر ، فتحدث حينئذ ظلمة يستحق بها الفجر أن يسند التكحيل إليه . وهو معنى متكلّف كما تراه ، حتى وقفنا على قول ابن الظّهير الإربليّ : [ الخفيف ]
وكأنّ الصباح ميل لجين * كاحل للظلام طرفا كحيلا
فكان قولا شارحا لبيت التّجيبيّ ، وصار التّكحيل لا غبار عليه بوجه من الوجوه .
وبيت ابن الظّهير من قصيدة يصف فيها الفلاة :
جئتها والظلام راهب دير * جاعل كلّ كوكب قنديلا
أو عظيم للزّنج يقدم جيشا * قد أعدّوا أسنّة ونصولا