العالم ، من منذ تتوّجوا العمائم . وقد نبغ هو كما شاءت معاليه ، فازدانت به أيّامه ولياليه . مهابة تقدم لحظته ، وبراعة تتّقد لفظته ، ولطفا ملئ به جسمه ، وصفاء قام به وسمه . فمناقبه غرر على أوجه الأيام تسيل ، وشرفه لا يلحقه السابق ولا الرّسيل . وله شعر وإنشاء رائقان ، وفي معارج اللّطافة إلى فلك القبول راقيان . وقد جئتك منهما بما تشتمّ به نفسا ينسي السّوسن المبلول ، وتنفح منه نفحا يهدي لك نور الرّبا المطلول .
فمن ذلك ما كتبه إلى عبد الرحمن المرشدي ، مفتي مكّة : [ الكامل ]
أذكرت ربعا من أميمة أقفرا * فأسلت دمعا ذا شعاع أحمرا
أم شاقك الغادون عنك بسحرة * لمّا سروا وتيمّموا أمّ القرى
زمّوا المطيّ وأعنقوا في سيرهم * لله دمعي خلفهم ياما جرى
ما قطّرت في السّير أجمال لهم * إلّا ودمعي في الركاب تقطّرا
فكأنّ ظهر البيد بطن صحيفة * وقطارها فيه يحاكي الأسطرا
وكأنها بهوادج قد رفّعت * سفن ودمع الصّبّ يحكي الأبحرا
رحلوا وما عادوا على مضناهم * واها لحظّي ليت كنت مؤخّرا
إن كان جسمي في الدّيار مخلّفا * فالقلب منهم حيث قالوا أهجرا
أظهرت صبري عنهم متجلّدا * وكتمت وجدي فيهم متسترا
وغدا العذول يقول لي من بعدهم * باد هواك صبرت أم لم تصبرا
أقسمت إن جاد الزمان بمطلبي * وسلكت ربعا بالمناسك عمّرا
وشهدت بدر الحيّ بعد أفوله * مذ لاح من أفق السعادة مقمرا
أدّيت خدمة سيّد سند غدا * مفتي الأنام وراثة بين الورى
وكتبت إليه أيضا : [ الخفيف ]
ملكت سورة الرّحيل عناني * وأهاجت سواكن الأشجان
أتمنّى أسري وهل يملك السّي * ر طريح النّدا أسير التّداني
يا خليليّ وقفة بالمصلّى * تجد حمد السّرى ودرك الأماني
فاعطفا وانزلا وبثّا سلامي * لوجيه العلا فريد المعاني
أنا بين لوعة علم اللّ * ه وشوقي له بطول الزّمان
أين منّي الحنين من ذات طوق * سلبتها النّوى غصون البان
لو تطيق النّياق شوقي لما حنّ * ت خضوعا من تربها أجفاني
وبقلبي من الوجيب إليه * مثلما بالنّياق من دملان « 1 »
هامش
( 1 ) الدملان : ما وطئته الدواب من البعر والتراب . القاموس المحيط ، مادة ( دمل ) .