من غير فترة في وقت دون وقت ، وادّعو فيه أنه كالمطر حتى سقوا به الديار الآنسة ، والأطلال الدّراسة ، إلى غير ذلك من المبالغات الشّعرية ، التي لا تنخرط في سلك التحقيق ، وادّعوا أيضا أن الدموع تبدّلت بالدّم ، ومنه قول أبي تمّام : [ الطويل ]
وأجرى لها الإشفاق دمعا مورّدا * من الدّم يجري فوق خدّ مورّد
ومن هذا اتّضح باب تشبيه الدّمع بالعقيق والمرجان والياقوت ، بمجرّد حمرة اللّون ولمّا غلب استعمال الشّعراء للدمع بالدّم ، وتداولت الأسماع وروده عليها ، وألفت وقوعه فيها ، صار حقيقة عرفيّة عند الخاصّ والعامّ ، وصار هو الأصل والدمع فرعا عليه ، حتى ادّعى الشاعر أن المحبوبة أنكرت دمعه ، وطالبته بالحجّة والعذر عن بياضه ، فقال : [ الطويل ]
وقائلة ما بال دمعك أبيضا * فقلت لها يا عزّ هذا الذي بقي
ألم تعلمي أن البكا طال عمره * فشابت دموعي مثلما شاب مفرقي
وقال الآخر : [ الكامل ]
قالوا ودمعي قد صفا لفراقهم * إنّا عهدنا منك دمعا أحمرا
فأجبتهم إن الصّبابة عمّرت * فيكم وشاب الدّمع لمّا عمّرا
وقال بعضهم في الدمع الأسود : [ الطويل ]
وقائلة ما بال دمعك أسودا * وجسمك مصفرّا وأنت نحيل
فقلت لها أفنى جفاك مدامعي * وهذا سواد المقلتين يسيل
وقال الآخر في الدمع الأخضر : [ الطويل ]
وقائلة ما بال دمعك أخضرا * فقلت لها هل تفهمين إشارتي
ألم تعلمي أن الدّموع تجفّفت * فأجريتها يا منيتي من مرارتي
وقال الآخر في الدمع الأصفر : [ الطويل ]
وقائلة ما بال دمعك أصفرا * فقلت لها ما حال عن أصل مائه
ولكنّ خدّي اصفرّ من سقم الهوى * فسال به واللون لون إنائه
إذا تقرّر هذا ، فنقول : الظاهر أن هذا الشاعر قصد أن عبراته هو اتّصفت في حالة التّوديع ، وذلك المهيع الفظيع ، الموجب لنحول الجسد ، وحلول الكمد ، وكسوف البال ، وتغيّر الحال ، وترادف الزّفرات ، وتتابع العبرات ، واضطراب القلب ، واضطرام الصّدر ، وانتهاب الصّبر ، بوصفين :
أحدهما ؛ أنها لفرط انصبابها ، وتلاحق تساكبها ، صارت حجابا مانعا ، وسترا حائلا بينه وبين رؤية ما هو بمرأى ومسمع منه ، فبهذا الاعتبار صحّ الحكم عليها بأنها فرّقت بين محاجره التي كان ينظر منها ، ومعاجر المحبوبة التي ينظر إليها ، وهذا وصف ممكن .
والثاني ؛ أن عبراته اتّصفت بلونين متقابلين ، وذلك أنه لفرط بكائه ، وحزنه وعنائه ،