تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
وقفت وقفة الوداع وقالت * ليت شعري متى يكون الرّجوع فبكينا خوف الفراق فحالت * بيننا قبل أن نبين الدّموع
وأما دمعها هي ، فإنه إذا اختلط بكحل عينها ، أشبه البنفسج من حيث اللون ؛ وباعتبار جريانه على الوجنات حصل الجمع بين البنفسج وهو الدمع المذكور ، وبين الشّقائق وهي الخدود . وقد شبّه بعض الأدباء البنفسج بالكحل الممتزج بالدّمع ، حيث قال : [ البسيط ]
بنفسج حميت أزهاره فحكى * كحلا تشرّب دمعا يوم تشتيت
فلا بدع إذن في تشبيه الدمع ، الذي هذه حالته بالبنفسج ، ووجه الشّبه ما قلناه . والملخّص أن العبرات التي جرت من هذين في حالة التّوديع ، أوجبت حالة اختصّ بها القائل ، وهي التّفريق المذكور ، وحالة تختصّ بالمقول ، وهي الجمع على الصّفة المذكورة ، وهذا كلّه ظاهر ، متّجه ، لا يرد عليه شيء ، إلّا أنّ الشاعر لم يصرّح في نظمه بأن المتغزّل فيها كانت مكحولة ، حتى يشبّه دمعها الممتزج مع الكحل بالبنفسج . وجوابه أن يقال : أحال الأمر في ذلك على ما يقتضيه الذّوق السليم ، وأشار إلى ذلك بالتّشبيه المذكور ، فيتلطّف له هذا القدر . هذا كلامه ، وأما الطّيبيّ فإنه قال : يحتمل أن المراد بالبنفسج والشّقائق عارض الرجل وخدّ المرأة ، ويحتمل أنها حين الوداع مزّقت جلدها ، ولطمت خدّها ، أي جمعت بين أثر اللّطم ، وهو شبيه بالبنفسج ، وبين لون الخدّ ، وهو شبيه بالشّقائق ، لكن الثّاني أولى ؛ لأن العارض إنّما يشبّه بالبنفسج عند طريان الخضرة . انتهى . قال الدّمامينيّ : قلت : إنما أنشد في « التبيان » البيتين الأخيرين ، ولم يتكلّم على معنى التّفريق بين المحاجر والمعاجر في الاحتمال الأوّل ، ولم يتقدّم في هذه الأبيات الثلاثة ما يصلح أن يكون معاد الضّمير ؛ في « فرّقن » ، و « جمعن » غير العبرات ، وعليه فلا معنى لشيء من الاحتمالين اللّذين أبداهما الطّيبيّ ، وإنما غرّه في جعل الضمير للنّسوة المودّعات كونه لم يظفر بالبيت الأوّل ، وإلّا فلو وقف عليه لتبيّن أن العبرات هي مرجع الضمير قطعا ؛ فإنه لا وجه بعد ذلك لنسبة التّفريق والجمع للنّسوة التي لم يجر لهنّ ذكر . إلى هنا كلامه ؛ فإنّك تراه كيف بيّن جهات الخلل في كلام صاحب « التّبيان » ، بما لا يمتري فيه من ذوي الفطرة إنسان . وهذا ما ظهر لنا من الجواب ، الجاري على منهج الصّواب ، فنقول : إن المفلقين من الشعراء ، والمصاقع من البلغاء ، قد تغالوا في وصف الدّمع بما تبتهج به النفوس ، ويروق السّمع ، فأخرجوه عمّا هو معهود ومأهول ، وجعلوه متّصل الجري دائم الهمول ،