في تلك الحالة الحويلة ، التي تخدع العقل وتسحره ، وتملك اللّبّ وتقهره ، وتغلب القلب وتبهره ، فاضت عبراته تارة دما أحمر ، يشبه الشّقائق في لونها ، وهذا قريب من الإمكان ، على ما قيل : إن أصل الدّموع الدّم ، وتارة دما مشربا بزرقة يشبه البنفسج في لونه ؛ وهذا بعيد من الإمكان عادة ، لأن مادّة البكاء إنما تكون من فضول تصعّدت إلى الدّماغ من الرّطوبات المنفصلة عن هذا الجسم ، وليس في لونها زرقة ، ولكنّ هذا من المبالغات الشّعرية ، التي لا تنخرط في سلك التّحقيق لكونها مقبولة عندهم ، بل كلّما زاد الشاعر في ادّعاء غير الممكن كان الشعر مستحسنا ، حتّى قيل : لو صدق الشعر لما استحسن . غير أن هذا وإن كان بعيدا عن الإمكان ، يقرّبه أنّ حالة التّوديع توجب تغيّرا في سحنة الوجه بحيث يتراءى أنّ فيه زرقة ، فإذا فاضت عليه العبرات ، تلوّنت بلونه ؛ لكونه جوهرا شفّافا ، يتلوّن بلون إنائه . وهذا له مساس بمقاصد الشّعراء ، وتخيّلات البلغاء ، خصوصا والدمع قد تغالوا فيه ، حتى أخرجوه عن سعة دائرة الإمكان ، إلى أوسع مكان ، ألا ترى إلى ما تخيّله بعض الشّعراء ، في وصفه بالزّرقة حيث قال مخبّرا عن محبوبته : [ الكامل ]
قالت وقد نظرت لزرقة أدمعي * أكذا يكون بكاء صبّ شيّق
فأجبتها قد مات في جفني الكرى * فجرت دموعي في الحداد الأزرق
إذا تقرّر هذا ، ظهر لك صحّة الحكم على عبراته بأنها جمعت بين البنفسج ، وهو الدمع الموصوف بما ذكر ، والشّقائق وهي الدمع الذي استحال دما ، فأشبه الشقائق في لونها ، من غير نظر إلى عبرات المحبوبة التي لم يكن في سياق الأبيات ما يدلّ على أنها كانت مكحولة ، كما اعترف هو به ، وتكلّف لها جوابا لا يسمن ولا يغني من جوع .
على أن الدمع المشرب بالكحل لا يحسن أن يشبّه بالبنفسج ، كما هو ظاهر ، فإن البنفسج ، إنما يشبه ما فيه زرقة لا سواد . وهذا وجه جميل ، له من اللّطافة ما ترى ، وأنت إذا تابعت النّظر يوشك أن يلوح لك وجه آخر .
343
- تاج العارفين بن عبد العال
تاج مفرق عصره ، وغرّة جبين مصره . من بيت علمه منسجم الغمائم ، عمّ نفعهم
هامش
( 343 ) - هو الشيخ تاج العارفين بن أحمد بن أمين الدين بن عبد العال الحنفي المصري العلامة المفيد المجيد .
كان بمصر صدر المدرسين رئيسا نبيلا ، روى عن والده ووالده روى عن والده وهو عن والده عن الحافظ ابن حجر العسقلاني ، وأجازه شيوخ عصره بالإفتاء والتدريس ، وتصدر للإقراء بجامع الأزهر ، وأفاد الطلبة وأجاد ، وألف مؤلفات عديدة ورسائل شهيرة في فقه الحنفية وألف رسالة سماها « الزلف والقربة في تعمير ما سقط من الكعبة » ، وكان ينظم الشعر .
وكانت وفاته في حدود الأربعين بعد الألف . ا . ه . خلاصة الأثر ( 1 / 470 ) .