344
- عبد الجوّاد بن شعيب الخوانكيّ
شاعر متّسع الباع ، معتدل الطّباع في الانطباع . فهو ليس بالنّاسك البارد ، ولا الفاتك المارد . ولا بالمتعفّر المتقشّف ، ولا بالخليع المتكشّف . يشوب الحصافة بالفصاحة ، ويزين اللّباقة باللّياقة . ويجمع بين الجدّ المقبول والهزل المطلوب ، ويستشفّ عما يقرّ العيون ويسرّ القلوب . وقد أوردت له ما محلّه الخلد ، وإذا نقدته علمت أن قائله من نقد البلد . فمن ذلك قوله : [ البسيط ]
ويلاه يهجرني عمدا بلا سبب * وفي محبّته الأمثال تضرب بي
ليت الصّبابة ما كانت ولا خلقت * فإن آخرها يفضي إلى العطب
شهرا ثلاثين يوما أراك ولا * عيني رأتك فقلبي زائد الوصب
ولا تخطّ كتابا منك تخبرني * أعن رضى كان هذا الصّدّ أم غضب
ولا يمرّ خيال منك في حلمي * فأطمئنّ وهذا غاية العجب
وكيف يسري خيال والكرى منعت * بنات نعش به في أعين الشّهب
كأنه كان جنّيّا يسارقني * فأحرقته فما أبقت سوى اللّهب
وقوله : [ السريع ]
سرب جنان في جنان وبي * يمشي مع الغزلان في ربرب
يرتع في النّرجس أو يرتقي * حبّة قلبي بدل الزّرنب « 1 »
ترفل بالسّندس أعطافه * أعطاف غصن البانة المخضب
في صنعة السّحر لأجفانه * أشياء عن هاروت لم تكتب
قد عقد النّوم وغلّ الكرى * منّي ولا تسل ما حلّ بي
حلو الجنى مرّ الجفا قرطه * عرّفني منزلة الكوكب
ورد الرّبا يقطف من خدّه * والشّهد من معسوله الأشنب
أسكرني منه عذيب اللّمى * لو لم يكن ذا بارق خلّب
هامش
( 344 ) - هو عبد الجواد بن شعيب بن أحمد بن عباد بن شعيب القنائي الأصل الخوانكي المولد والمنشأ ثم المصري الشافعي الأنصاري ، القاضي الوفائي ، من علماء مصر وأدبائها ، صوفي المشرب إذا حدث أعجب ، وأبدع وأغرب ، وكان كثير الحفظ للأشعار ونوادر الأخبار ، ذا نظر في العلم دقيق ، وتقوى ظاهرة ، أخذ عن النور الزيادي ومن في طبقته ، وعنه أخذ جماعة .
وله مؤلفات كثيرة منها رسالة بديعة في الاستعارات سماها : « القهوة المدارة في تقسيم الاستعارة » و « العظة الوفية في يقظة الصوفية » و « نظم الورقات والنسيم العاطر في تقسيم الخاطر » قدم مكة حاجا وجاور بها سنة ثلاث وستين وألف وأخذ عنه بها كثير من فضلائها ، ورجع إلى بلده واستمر بها إلى أن توفي وكانت وفاته في سنة ثلاث وسبعين وألف . ا . ه . خلاصة الأثر ( 2 / 301 ) .
( 1 ) الزرنب : شجر طيب الرائحة ، أو الزعفران . القاموس المحيط ، مادة ( زرنب ) .