لقد منع المسير إلى حماكم * توالي الغيث من ثدي السّحاب
وأوحال بها الطّرقات سدّت * فما أسطيع مشيا للذّهاب
وقالوا رحمة للناس عمّت * ولكن لي بها فرط العذاب
فيا ربّاه حتى الغيث خصمي * يمانعني دنوّي واقترابي
فعجّل بانحباس الغيث كيما * أرى ذاك الجمال بلا حجاب
من الأمثال « مطر مصر » يضرب للشيء النافع ، يتضرّر به ؛ لأنّ من عيوب مصر أنها لا تمطر ، فإذا أمطرت كرهت أهلها ذلك أشدّ كراهة ؛ لما يقع فيها من الأوحال ، قال اللّه تعالى :
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ
[ الأعراف : 57 ] يعني المطر ، فهذه رحمة مجلّلة لهذا الخلق ، وهم لها كارهون ، وهي لهم غير موافقة ، ولا تزكو عليها ثمارهم .
قال بعض الشّعراء : [ الطويل ]
وما خير قوم تجدب الأرض عندهم * بما فيه خصب العالمين من القطر
إذا بشّروا بالغيث ريعت قلوبهم * كما ريع في الظّلماء سرب القطا الكدر
ومما يحسن موقعه في منع المطر عن الزّيارة قول الشّهاب مضمّنا : [ الوافر ]
أقول لوابل عن دار حبّي * أعاق وقد بدا منه انسجام
سلام الله يا مطرّ عليها * وليس عليك يا مطر السّلام
وكتب جحظة إلى ابن المعتزّ : كنت على المسير إلى الأمير ، فانقطع شريان الغمام ، فقطعني عن خدمته . فكتب إليه : لئن فاتني السرور بك لم يفتني بكلامك .
وقوله : « شريان الغمام » ، من أحسن الكلام .
ورأى تاريخ المقّريّ ، المسمّى ب " نفح الطيب من غصن الأندلس الرّطيب " ، فكتب إليه : [ الوافر ]
من الغصن الرّطيب هصرت غصنا * ومن أثماره أصبحت جاني
كساه الله من ورق برودا * مطرّزة بأزهار الجنان
وكتب لبعض إخوانه يطلب منه كتاب « قلائد العقيان » : [ البسيط ]
يا سيّدا حاز خصل الفضل من كتب * بجدّ عزم وجدّ طاهر النّسب
من القلائد جيدي عامل أبدا * فابعث بها كي تحلّي جيد ذي أدب
قصدي المرور عليها مسرعا عجلا * كما يمرّ نسيم الرّوض بالعذب
وله يعتذر عن ترك التّغزّل : [ الطويل ]
وقائلة لم لا تغزّل في الظّبا * وطبعك من ماء اللّطافة قد روي
فقلت لها قدري تسامى عن الذي * ترومي لشغلي بالعلوم وما روي