والأصل فيه قول ذي الرّمة ، قال الشّريشيّ : وهو آخر شعر قاله : [ البسيط ]
يا ربّ قد أسرفت نفسي وقد علمت * علما يقينا لقد أحصيت آثاري
يا مخرج الرّوح من نفسي إذا احتضرت * وفارج الكرب زحزحني عن النار
وله من فصل في معرض شكاية من الزمن : قد كان الفضل في المراقي ، من نصل عيون الدهر هو الرّاقي ، والتّرقّي في الأدب به التّوقّي من النّصب والوصب ، وكل هذا ذهب ، وانحصر الدواء في الفضّة والذّهب . فالمفلحون بخبايا النّقود قعود ، والمفلسون في زوايا الخمول رقود . فدع فضل العلم والنّسب ، واسع أن يكون لك من المال خير نشب . فقد كان الأدب وديعة واستردّ ، وصار الدرهم مرهما ولبرء ساعة استعدّ . ومن هذا القبيل قول زين الدين الجزريّ من مقامة له : قد كان شراب الأصول يداوي العليل ، والآن ليس في غير الدّينار شفاء للغليل . ألم تسمع أن الدراهم ، لجروح العدم مراهم ! وقد استردّت الأيّام ، ودائع المكارم والكرام .
340
- يس الحمصيّ العليميّ
نزيل القاهرة منتمي بدع الفنون ، ومنتدى نزه العيون . الذي بعث نفسا عاطرا إلى الإحسان ، وأثبته عقدا نفيسا في جيد الكواعب الحسان . يتناول المعاني والألفاظ من مدى قريب ، وإن مدّ باعه فمن سحاب وإن اغترف فمن قليب . وحواشيه حواشي خدود ، لا حواشي برود ، وتخريجات أصداغ على وجنات ، أو سوالف على خدود غانيات . وله أشعار تحلّ لها عقد الحبى ، وتهتزّ لها النفوس كما يهتزّ تحت القطر الرّبا .
وكان عهده قد جمع نضارة الورد إلى بقاء الآس ، وافترّ عن رقّة المدامة في نقاء الكاس .
وهو يرجع إلى شيم دمثة ، وهمم على الخير منبعثة ، طالما هبّت منه على طلبته نسمة المنى ، فنبّهت من أفواههم زهرة الثّنا . وقد أثبتّ له ما إذا تلي وصف نفسه ، وأطلع نهار طرسه شمسه . فمنه قوله : [ الكامل ]
في لحظه سحر فلم أر صارما * في غمده يفري سواه فمن يرى
هامش
( 340 ) - هو يس بن زين الدين بن أبي بكر بن محمد بن الشيخ عليم الحمصي الشافعي الشهير بالعليمي نزيل مصر الإمام البليغ شيخ العربية وقدوة أرباب المعاني والبيان . مولده بحمص ورحل مع والده إلى مصر ونشأ بها ، وقرأ في أوائله على الشيخ منصور السطوحي ثم على شهاب الغنيمي ولازمه في العلوم العقلية وشارك في الأصول والفقه وتصدر في الأزهر لإقراء العلوم ، ولازمه أعيان أفاضل عصره وحظي كثيرا وشاع ذكره .
وألف كتبا مفيدة منها : « حاشية على المطول » و « حاشية على المختصر » و « حاشية على شرح التوضيح » و « حاشية على شرح ألفية ابن مالك » وغير ذلك من الرسائل النافعة ، وله شعر كثير .
واستمر ملازما للتدريس والإفادة منعكفا على تحصيل العلم ملازما للعبادة وكان مغرما بالطيب وإذا دخل الجامع الأزهر يشم من بصدره رائحة المسك والعنبر والغالية فيعلم أهل الجامع بقدومه .
وكانت وفاته عشرى شعبان سنة إحدى وستين وألف . ا . ه . خلاصة الأثر ( 4 / 491 ) .