همّته وجاهه . ليّن المهتصر والعود ، أملس العرض مصقول شبا الوعود . صدّر تصدّر الجهبذ النّحرير ، وأغنى الطّلّاب بما أبداه على « المغني » من التّقرير والتّحرير ، فأصبح الكل من أهل الإفادة ، يتقرّبون إليه بالتّلمذ والاستفادة . وكان فرد العلم في عصره ، لا بل العلم الفرد بين مشايخ مصره . مع ذات بهيّة مطبوعة ، وأداة فواكهها الحمويّة غير مقطوعة ولا ممنوعة . وقد أوردت له ما يبتهج ابتهاج الربيع ببرده ، ويروق روق الرّيق في حلاوته وبرده . فمنه قوله ، من قصيدة أولها : [ الكامل ]
أوجوه غيد أم حسان ربوع * وعيون آرام تزيد ولوعي
أم نشر زهر ضاع فامتلأ الرّبا * عطرا عبيرا أم رياض ربيع
والماء قد صقل النّسيم متونه * أم في جداوله متون دروع
والطّلّ قد زان الشّقيق بلؤلؤ * أم وجنة مطلولة بدموع
والقضب من لطف النسيم تمايلت * خجلا فأبدت ذلّتي وخضوعي
والبدر أشرق في ثنيّات الدّجى * سهرا وبرد الليل في توشيع
سفر اللّثام فلاح في وجناته * ورد الخدود فحار فيه بديعي
ساجي اللّواحظ فاتك بجفونه * ذو خبرة في صنعة التّقطيع
ما نمّ مسك عذاره في خدّه * إلّا ليظهر عذر كلّ خليع
والثّغر قد حاز العذيب وبارقا * وجواهرا للدّرّ غير مضيع
يا قلب خلّ هوى الحسان وخلّني * من ذكر أحباب وذكر ربوع
واقطع أقاويل الوشاة فقطعها * سبب لوصلة حبلنا المقطوع
ومن درّه المكنون ، بديعيّة على قافية النون ، مستهلّها : [ البسيط ]
هجري عليّ ولي وصل بأحياني * أماتني الهجر جاء الوصل أحياني
قوله : « أماتني » من قول ابن الفصيح ، صاحب « السّراجيّة » في الفرائض : [ المجتث ]
زار الحبيب فحيّا * بحسن ذاك المحيّا
من صدّه كنت ميتا * من وصله عدت حيّا