عارفات . فما زالوا يطلعون من أخلافهم ، ما يبقى به ذكر أسلافهم . وهذا الحبر العالم ، زيّن الله به منهم المعاهد والمعالم . فنال حفلا به السّعد اكتمل ، وابتسم بمرآه ثغر المنى وامتدّ خطو الأمل . وهاجر إلى الرّوم لأمر دعاه ، فحمد عند أهل المشاهدة مسعاه . فأقام بها راتعا من الجلالة في نضرها ولدنها ، إلى أن انتقل من ظهرها إلى بطنها . يملأ الصدور انشراحا ، ويعمّ الأرجاء أفراحا . ولا يألو وليّه شكر منّه الجسيم ، كما شكر عارفة الرّوض لسان النّسيم بوقار كما تشتهيه العيون ، ونصح كما تقتضيه الظنون . يلهب الوجد الذي خمد ، ويذيب الدّمع الذي جمد . ووعظ يقيم الحرج ، على الشيخ أبي الفرج . وله أشعار مشتملة على حكم ووعظ ، يتمتّع بها القلب قبل اللفظ . فمنها قوله في عقد كلام ينقل عن كسرى ، كاتب به قيصر جوابا عن مكاتبة : [ الرجز ]
كاتب في السّابق كسرى قيصر * بما استقام ملككم والظّفر
فقال قد دام لنا الولاء * بخمسة طاب بها الهناء
إن استشرنا فذوي العقول * وإن نولّي فذوي الأصول
وليس في وعد ولا وعيد * نخالف القول على التّأييد
وإن نعاقب فعلى قدر السّبب * من الذّنوب لا على قدر الغضب
ولا نقدّم الشباب مطلقا * على الشيوخ في ولاء أطلقا
وله في التوسّل : [ السريع ]
يا سيّد الرّسل ومن جوده * لكلّ خلق الله مسترسل
أنت الذي خصّك ربّي بما * لم يحصه المزبر والمقول
وإنّني عبدك من جرمه * لفكر ذي اللّبّ غدا يذهل
قد جئت أبغي توبة ينمحي * عنّي بها الوزر الذي يثقل
والسّتر في ديني وأهلي ومن * يحويه بيتي أو به ينزل
فأنت باب الله أيّ امرئ * أتاه من غيرك لا يدخل
هذا البيت مضمّن من قصيدة الشمس البكريّ ، التي أوّلها :
ما أرسل الرحمن أو يرسل * من رحمة تصعد أو تنزل
في ملكوت الله أو ملكه * من كلّ ما يختصّ أو يشمل
إلّا وطه المصطفى عبده * نبيّه مختاره المرسل
واسطة فيها وأصل لها * يعلم هذا كلّ من يعقل
ولده :