وما ضرّهم لو أن برق التقائهم * أضاء إذا ليل القطيعة أظلما
تبدّت لي الأيّام في زيّ بأسهم * وسلّت بكفّ الغدر للقتل مخذما « 1 »
وضحك مشيبي أنّ عصر شبيبتي * يودّع جسما ما أراه مسلّما
هبطت إلى أرض المذلّة بالذي * تخذت لصرح العزّ مرقى وسلّما
ممّا يتناسب معه قول الفاضل : [ الطويل ]
وقيل اهبطوا مصر وأيّ فضيلة * لمصر وباغي الرّزق في مصر يهبط
وممّا دهاني أن بليت بأغيد * إذا شاء إسكار العقول تبسّما
وإمّا رنا واهتزّ غصن قوامه * فويل المها منه وتعسا على الدّمى
تمايل وسنان الجفون وما احتسى * مداما وأصمانا وما راش أسهما
وولّاه سلطان الجمال نفوسنا * ألست ترى ديباج خدّيه معلما
وما هو إلّا لان عطفيه جانبا * فيسمح لي في زورة ثم يندما
زرعت بلحظي الورد في روض خدّه * أما آن أن يجنى بفيّ أما أما
وهبه حمى ورديّه بعذاره * فمنع فم العشّاق ذاك اللّمى لما
اللمى ، مثلّثة اللام : سمرة في الشّفة ، لمي ، كرضي : اسودّت شفته ، وهو ألمى ، وهي لمياء . هذه عبارة « القاموس » . وأكثر ما يستعمله الشعراء ، خصوصا المولّدون ، في معنى الرّيق ، ومما ينبغي أن ينبّه عليه ، أنه إذا وقع مع « لم » يستوجب أن يختار منه المكسور اللّام ، لقصد الموازنة ، كما وقع هنا ، وكما وقع في البيت الفارضيّ : [ الكامل ]
صدّ حمى ظمئي لماك لما ذا
فإن الموازنة بين الكلمات أمر مستحسن عند النّقّاد البصيرين بموارد الكلام ، فقد ذكر ابن جنّي ، عند الكلام على قول المتنبّي : [ الطويل ]
بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها * وقوف شحيح ضاع في التّرب خاتمه
أنه قرأ البيت على المتنبّي ، ونطق بالتاء مفتوحة ، فقال له المتنبّي : اكسر التاء .
فقال له أبو الفتح : أليس الفتح أفصح ؟ فقال : ألا تنظر إلى حركات ما قبل الميم - يعني في القصيدة - كيف تجد الجميع مكسورا . فعلم مراد المتنبّي ، وأثنى عليه . وأدلّ دليل على التزام الموازنة قضية الازدواج المذكور ، مع أنّ فيه عدولا عن الأصل لأجل الموازنة ، كقول النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم للنّساء المتبرّجات في العيد : « ارجعن مأزورات غير مأجورات » ، وقوله في عوذته للحسن والحسين : « أعيذكما بكلمات الله التّامّة ، من كلّ شيطان وهامّة ، ومن شرّ كلّ عين لامّة » ، والأصل في « مأزورات » موزورات ، لاشتقاقه
هامش
( 1 ) المخذم : السيف القاطع . القاموس المحيط ، مادة ( خذم ) .