ما أجد لبعده ، ويتلافى فيّ بعض رمق ما كنت أحسبه يبقى من بعده . حتى طلع كتابه فكان غيثا كفى صيّبه دعوة المستسقي ، وماء زلالا روى بوروده ظمأ المستقي . فكان أحسن من طلوع السّعد ، وأحلى من إنجاز الوعد . فاتّخذته مرتع ناظري ، ومنتعش خاطري . ونقلي إذا شربت ، وداعيني إذا طربت ، ومحدّثي إذا خلوت ، وعروسي إذا جلوت . بل كان لي حظّ الأماني من الزّمان ، وتوقيع النّجاة من اليأس والحرمان . فالله تعالى يبقي يدا وشّته وحشّته ، ويديم راحة مسّته وجسّته . ثم فكّرت في الجواب ، وأنا متحرّ جادّة الصّواب ، فرأيت إن لم أجب ، فما أدّيت ما يجب . فأقدمت إقدام مذعور ، وقدّمت مقدّمة معذور . قائلا : هذا ما انتهى إليه في العبارة جدّي ، وأنا على يقين بأن هذا الشّرط ليس من حدّي . على أنني لو أوتيت جوامع الكلم ، لست ممّن تخيّل حصر كرام أوصاف الأستاذ أو علم . ولا ممّن قال له اليمّ الملتهم ، أنا مدادك الملتطم ، وقال مكنونه أنا درّك المنتظم . وأرجو من الأستاذ الصّفح عن هذه الفرطة ، والعفو عن الجناية التي ورّطتني هذه الورطة . فمثله من يقبل الأعذار ، ويقوم بوجوده عن ذنب الزمان الاعتذار . وأمّا مثولي بين يديه ، ووصولي بعد هذه المدّة لديه ، فبيني وبينه شهر الصّبر ، وأعزم لأحصّل بمشيئة الله موسم الجبر . وقد نويت أنّي لا أفارق تلك الحضرة ، أو يفارق الآس الخضرة . حقّق الله سبحانه رجائي ، وأمدّني بإمدادات الأستاذ في علانيتي ونجوائي . وفلان أحسن الله بقاه ، وحفظه من كلّ سوء ووقاه ، شوّقني بخبره إلى نظره ، وبسلامه إلى كلامه . فأنا أهدي إلى جنابه سلاما كسلام أصحاب اليمين ، وأودعه القلب على الثّقة من أمين ، إنه أمين ، وعن الودّ لا يمين . ولما تعلّقت إرادة الله تعالى بمسيري إلى القاهرة المعزّيّه ، كان أوّل من اجتليت بها طلعته الزّاهية الزّهيّة . فأنخت الرّاحلة في حماه ، واقتصرت من أهاليها على التّوسّل برحماه . فنزلت من النّيل وساكنيه بمجمع البحرين ، ونظرت إلى وجهه وإلى البدر فرأيت القمرين . وفاتحته بقولي : [ الخفيف ]
حسب مصر فخرا على البلدان * وهي أمّ الدنيا بشيخ الزّمان
سيّد أشتفي بتربة نعلي * ه إذا ما تقرّحت أجفاني
وألحقتها بهذه القصيدة : [ م . الكامل ]
نجل العيون من الكواعب * أوقعن قلبي في المتاعب
بأبي غوان للنهي * تدعى السّوالب والنّواهب
الغارسات البان في * خلل الرّوادف والتّرائب
والمطلعات البدر ما * بين السّوالف والحواجب
هنّ القواضي بالرّدى * لمّا يجرّدن القواضب
من كلّ رود إن بدت * تخفى لطلعتها الكواكب