أهل الأدب ، والبالغ أقصى غايات الكمالات في كلّ ما دأب . المنطيق الذي أعجزت فصاحته كلّ لسن ، ذا التّحقيق الذي هو بكلّ براعة قمن . والذي يهدي برائع عبارته طيب الوصل بعد الهجران ، ويلفى من براعاته روضا أينعت منه الأزاهر بفينان وأفنان . كأنّما مخانق الدّرر خلصت من ترائب الآرام فألقيت في حدائق محاوراته ، والحور العين برزت في غرر تلميحاته بتمليحات مطارحاته . لوذعيّ الفكرة الوقّادة ، ألمعيّ الفطنة المستجادة .
من فاق قسّا وأعجز المتنبّي ، حبيبنا السيّد أمين المحبّي . كان الله له ظهيرا ، وفي كلّ الأمور نصيرا . وبعد : فإنّا ، للّه الحمد والثّنا ، في صحّة وعافية وأرغد عيش وأهنا . غير أنّا ملوّعوا « 1 » الجوانح ، متعلّقة آمالنا بالمطامع والمطامح . لورودكم لهذه الدّيار ، والتّملّي بطلعتكم الحميدة المرأى والآثار . فنرجو من فيض فضل اللّه الغزير ، أن يهيّئ لكم التّأهّب لهذه الدّيار إنه على كلّ شيء قدير . فكتبت إلى جنابه : [ الخفيف ]
كيف ينسى عهد المودّة خلّه * وهو عن كلّ ما سوى الله شغله
يرتجي به الرّضا وحقيق * بانتماء إليه ينجح سؤله
يا رعى اللّه من بعهد هواه * لي منه الإسعاد والعزّ كلّه
بغيتي منه أن أمرّغ خدّي * بثرى نعله الرفيع محلّه
فإذا أسعفت حظوظي فمثلي * من يباهي الأيّام بالفضل مثله
حضرة الأستاذ الذي حياتي بعهده مرتبطة ، ونفسي بما يشتهيه مغتبطة . إن لم أكن عنده ، فقد استخلصني عبده . فأنا أينما كنت ، ما نقضت عهده ولا خنت . نعم كان الواجب من رعي ذمّته ، أن أكون في بابه حليف خدمته . فأسعى إلى سدّته حبوا على القدم ، وأستنهض في خطابه اللّسان عوضا عن القلم . ثم لا أرضى له بباعي القصير ، وعبارتي الموسومة بالعجز والتّقصير . حتى أكون استعرت ألسنة تنطق حمدا وشكرا ، واستنجدت أفئدة توسع ثناء وذكرا . فكأنّ القول ذو سعة ، والمغالاة هنا سنّة متّبعة . وقد كان في حكم ما أولانيه الأستاذ من اعتنائه بشاني ، واستدنائه لمكاني ، تبصّرا منه بصلته ، ورغبة في مراعاة وصلته ، أن أدع جميع المآرب جانبا ، وأكون لجميع المشاهد سوى مشاهدته مجانبا . لكن عدم الإمكان ثبّطني عن هذا الغرض ، وعاقني عن أداء هذا الواجب المفترض فأقمت معتكفا على دعاء أتّخذه في أوقاتي وردا ، ولا أخلو من أماني لقاء الأستاذ التي أسقى بها على ظمأ بردا . مقبّلا بشفاه الأجفان مواطي نعاله ، ذاكرا ما أسداه لي من كرائم خصاله وجمائل فعاله . وإذا لاحظت شخصه الممثّل ، وتصوّرت ودّه المؤثّل ، أستقيم وأنحني ، وأذكر أيّام الحمى ثم أنثني . وكانت لي حاجة في ذمّة زماني ، ومأربة بقيت في عهدة الأماني . وهو ورود كتاب من الأستاذ يحلّ عقدة لساني في بيان
هامش
( 1 ) الألف هنا خطأ لأن الواو علامة رفع جمع المذكر السالم هنا وليست واو الجماعة .